قانونه وجمعه من المذاهب الخمسة وهي : مذهب الفقهاء ، والأشعرية ، والفلاسفة الأتقياء ، والصوفية الأولياء ، والمقربين .
وبيّن الكمال الذي يراد بذاته ، والسعادة التامة الأبدية ، والخير المطلق الذي لا يحصر ولا يقدر في مذهب المقرب ، وجعل المذاهب الأربعة كل واحد مصيب في بعض الأشياء ، وغير مصيب في البعض ، فقرر كل واحد منهم على إصابته ، ونبّه على المواطن التي أخطأ فيها وعلمه ونقله منها .
وأمر المسترشدين المقتدين والطالبين طريقته ، والقابلين نصيحته أن يأخذوا بحسب نصه في « الفتح المشترك » حين قال : « خذ من الفقيه المحافظة على الأحكام الشرعية ، ومدلول صيغه فيها ، ومن الأشعري السياسية بك في مذهبه لا به ، ومن الفيلسوف الصناعة الرئيسة والحكمة التي تفيد معرفة الأشياء حسب ما تعطيه ، وتقتضيه طبيعة البرهان ، ومن الصوفي مكارم الأخلاق ، والتجرد المحض عنك حتى تجدك وتظفر بك ، ومن المقرب ماهية كمالك الأول والثاني » .
وكتبه كلها منبهة على هذه المذاهب الخمسة ، فلمّا إن كان كمال مذهبه مجموعا من هذه المذاهب ، ولكل مذهب منها كمال خاص بالنظر إلى غايته ، وبالنظر إلى الوجه المحمود منه ، سماها كمالات ، وجعلها كثيرة لهذا الوجه الذي ذكرته لك .
وقد تكون الكمالات في الشخص الواحد بالنظر إلى مراتبه وخواصه ، كما تقول :
العلم باللّه كمال أول ، والمعرفة كمال ثان ، وخلاص الإنسانية كمال ثالث .
أو نقول : قطع الوهم كمال أول ، وتحقيق الحق كمال ثان ، واستجابة الجميع في الإنسان كمال ثالث .
وهذا ذكره سيدنا رضي اللّه عنه في « الإحاطة » ، والقسم الأول ذكره في « الفقيرية » وها أنا نذكر كمال كل مذهب ، وغايته وفائدته بقدر الطاقة ، واللّه يؤيدنا بروح منه .
فنبدأ فنقول : الكامل عند الفقهاء : هو الذي عرف أحكام المكلفين ، مفروضها ومسنونها ، وعلم السيرة الجميلة ، وتفسير كتاب اللّه ، وفهم مدلول التنزيل ، وعرف المحكم والمتشابه ، وذلك كله بالدليل والبرهان ، وهذا ذكره سيدنا رضي اللّه عنه في « بد العارف » .
والكامل على ما يقتضيه مذهب الأصولية : هو المحصل لما تقدم في مذهب الفقيه ، ويزيد عليه بمعرفته ما يجب للّه ، ويجوز عليه ، ويستحيل في حقه ، ويحرر توحيده بالدليل المركب من المنقول والمعقول ، وينزّهه من الحد والرسم ، ويعرّفه بالوصف والاسم ، ويعلم أسماء ذاته ، وكونها ذات مسمى ، وأسماء صفاته ، ويزعم إنها لا هي هو ولا هو
رسائل ابن سبعين — صفحة 110
مساهمون: ابن سبعين
ص١١٠