وقال بعضهم : كانت الطرق إلى اللّه أكثر من نجوم السماء فما بقي منها إلا طريق واحد وهو الفقر ، وهو أصحها .
وقال الجنيد « 1 » ، رحمة اللّه عليه : إذا لقيت الفقير فالقه بالرفق لا بالعلم ، فإن الرفق يؤنسه والعلم يوحشه .
فقيل له : يا أبا القاسم ، وهل يكون فقيرا يوحشه العلم ؟ .
فقال : نعم ، إذا كان الفقير صادقا في فقره فطرحت عليه العلم ذاب كما يذوب الرصاص في النار .
وقال بعضهم : الفقير : هو الذي لا يكون له إلى اللّه حاجة .
قال الإمام القشيري « 2 » : وهذا اللفظ فيه غموض على من سمعه ، وهو غافل عن مرمى القوم كما قيل : [ الفقر لا يحتاج إلى نفسه ، وإلى ربه ] « 3 » لأن القائل أشار بذلك إلى سقوط المطالبات ، وفناء الاختيار « 4 » والرضى بمجارى الأقدار .
وقال بعضهم : وصف الفقير : السكون عند العدم ، والإيثار عند الوجود .
وقيل : مكث « أبو جعفر الحدّاد » « 5 » عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار وينفقه على الفقراء ، ويصوم ويخرج بين العشائين فيطلب من الأبواب .
هامش
( 1 ) تقدمت ترجمته .
( 2 ) ( الإمام القشيري ) هو : عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد القشيري ، وكنيته : أبو القاسم ، ولقبه : زين الإسلام ، وشهرته : القشيري ، ولد في قرية من قرى نيسابور ، حضر مجلس الشيخ أبا على الدقاق ، وكان يتحدث في علم القلوب ، ومذهب أصحاب الأحوال والمذاقات والمواجيد ، والشريعة والحقيقة ، فاستولى عليه الأمر استيلاء تاما فاستمع إلى هاتف أعماقه ، فجمع همته ودخل الباب الكبير للصوفية ، كتب عددا من المؤلفات الشهيرة التي نالت شهرة واسعة في الشرق والغرب ، مثل الرسالة القشيرية ، ولطائف الإشارات ( التفسير الصوفي ) ونحو القلوب وغيرها .
وتوفى ، رحمه اللّه ، سنه 465 ه إلى جوار شيخه الدقاق في نيسابور بعد رحلة طويلة مع خدمة علم الصوفية .
انظر ترجمته : مقدمة كتاب نحو القلوب الكبير : دكتور إبراهيم بسيوني المناوي : الكواكب الدرية 1 / 629 ، ابن كثير : البداية والنهاية 12 / 107 ، ابن تغرى بردى : النجوم الزاهرة 5 / 91 ، الهجويرى : كشف المحجوب 198 .
( 3 ) ما بين المعقوفتين سقط من ( د ) .
( 4 ) في ( د ) : ( فناء الاختيارات والرضاء . . . ) .
( 5 ) ( أبو جعفر الحداد ) الكبير الصوفي ، سافر ودخل دمشق ، وهو من أقران الجنيد بن محمد ورويم