جسده ، والبذر روح الثمرة ، فيحتاج أولا بتدبير إنشاء الشجرة التي هي منشأ الثمرة ، ومكانها ، كلبّ اللوز مثلا ، فإنه لم يكن كاملا في اللوزية ، ولا مكملا لجنسه بلا قشر فهو يحتاج لتحصيل القشر إلى آلات وأسباب ، وهي الشجرة المودعة في نفس اللب بالقوة ، وليس له من يستخرجها من القوة إلى الفعل ، أي من الغيب إلى الشهادة إلا الذي هو واهب وجوده المستعد لقبول فيضه ، فلا سبيل له إلى النفس النامية ، فيستفيض اللب من النفس النامية لاستخراج الشجرة الكاملة المودعة فيه بالقوة إلى الفعل ، فيستخرجها منه بالتدريج شيئا بعد شيء ، فأول ما يستخرج منه أصل الشجرة ، ثم جذعها ، ثم فروعها وأغصانها ، ثم أوراقها ثم أزهارها ، ثم قشر اللب ثم اللب ، ليتم اللوز الكامل المكمل ، فالروح النبوي المشرف بتشريف أول ما خلق اللّه روحي بمثابة لب اللوز الموهوب من واهب وجوده وهو الخالق البارىء المصور الذي أودع شجرة الموجودات في لب روحه بالقوة ، وهو المربي ليستخرج منه إلى الفعل ، فأول ما أخرج منه أصل الشجرة وهو عالم الأرواح كما قال - عليه السلام - :
« إن اللّه تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام » « 1 »
وهي الملكوت العلوي والسفلي ، ثم الجذع ، وهو عالم الملك في الأجسام الكثيفة واللطيفة من المركبات والبسائط ، ثم الفروع والأغصان وهي الأفلاك والأنجم ، ثم الأوراق ، وهي الحيوانات المتنوعة ثم الأزهار وهي الملائكة المقربون . ثم صورة اللوز ، أي قشره وهو جسد النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ، ثم حصول اللب في قشر اللوز وهو تعلق روحه اللطيف بقالبه وجسده الشريف ، فتربى بتربية مربيه ، وواهب وجوده كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - :
« أدبني ربي فأحسن تأديبي » « 2 »
إلى أن بلغ واستوى ؛ بإفاضة فيض الوحي بتوسط جبريل - عليه السلام - كما قال تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ
[ الشعراء : 193 ] ثم أدبه ربه وعلمه بغير واسطة ، كما قال :
الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ
( 2 ) إلى أن خلصه عن رق وجوده ، ووجود شجرة الموجودات بجذبة أدن مني فقربه إلى هويته بعد أن أبعده عن أنانية نفسه ، فأجلسه على بساط القرب ثم بجذبة أو أدنى أفناه ، ثم حياه بالسلام عليك فأحياه وبرحمة اللّه وبركاته أبقاه ، ثم في إظهار الكنز المخفي تجلى له بذاته . وجميع
هامش
( 1 ) أخرجه ابن حجر في لسان الميزان [ ج 3 ص 407 ] ، وأورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 315 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .
( 2 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء حديث رقم ( 164 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت ، وأورده المتقي الهندي في كنز العمال ، كتاب الفضائل ، باب فضائل نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم وأسمائه وصفاته البشرية ، حديث رقم ( 31892 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .