تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
القرآن ، كيف نسخت ديوان الإعجاز أينما توجه من القصص والأخبار والحكم والأمثال ، في بيان الحلال والحرام وأدلة التوحيد ، وتزوير الوعد والوعيد ، والترهيب والتهديد والترغيب ، وتبيين الفرائض والأحكام في أحسن السياقة والنظام ، وانظر كيف يخرج ويتخلص من فن إلى فن ، وكيف ينتقل من معنى إلى معنى من غير خلل بلغ خلال البلاغة ، ولا نقص يأخذ من المعاني ، ولا مقطع ينبو الطبع عنه ولا مطلع يكد السمع منه ، وتأتيك اعتبارا من القصص سورة يوسف بكمالها ، توقف بفكرك عند قوله :
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا
[ يوسف : 80 ] ترى ما البلاغة ، يترقرق تحاسين نظمه ، وبين أدلة التوحيد تأمل قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] وقوله تعالى :
إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ
[ المؤمنون : 91 ] كيف يلعب بالعقول من وجازة لفظه ومتانة معناه ، ومن باب الوعد والترغيب فتصفح قوله :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها
[ الأنعام : 160 ] الآية . وقوله :
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
[ الإسراء : 84 ] . وقوله :
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
( 60 ) [ الرّحمن : 60 ] . ومن باب الوعيد : قوله :
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
[ النّساء : 123 ] وأما من قسم الفرائض والأحكام فتأتي في عشر
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
[ النّساء : 11 ] كيف بين حظوظ الورثة من غير إخلال بالفصاحة ؟ ومن باب الطب :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا
[ الأعراف : 31 ] . ومن باب أحكام الحلال والحرام فتفحص قوله :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا
[ البقرة : 275 ] . ومن قبيل الحكم والأمثال فتأمل قوله :
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ
[ الأنعام : 67 ]
لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ
[ الرّعد : 38 ]
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
[ آل عمران : 92 ] .
وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ
[ الحجّ : 18 ] .
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
[ الحجّ : 73 ] . وامتص بفكرك مصاص البلاغة وطراوة الفصاحة من أفانين النظم . قوله تعالى :
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ
[ التّوبة : 5 ]
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ
[ البقرة : 93 ]
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
[ مريم : 4 ] .
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[ الحجر : 94 ] . وقد سمعها أعرابي فسجد لفصاحتها وقوله :
أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً
[ الزّخرف : 5 ] .
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ
[ الكهف : 11 ]
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ
[ الأعراف : 149 ] .
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ
[ الأنبياء : 18 ] .
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ
[ المائدة : 30 ] . هذه وأمثالها إذا طرقت الأسماع تتلذذها وإذا لاقت الطباع تمازجها ، وإذا وردت لقلوب تروحها وتصفيها ، وإذا هبت على الأرواح تصقلها بل تنورها وتخلقها بأخلاق مكملها ، ولو عرجت إلى فواصل