الصمد هو الكامل الذي لا يحتاج إلى شيء لكماليته وكل شيء ناقص بالنسبة إلى كماله محتاج إليه في إتمامه ، وقوله :
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
( 4 ) [ الإخلاص : 3 - 4 ] يدل على سلب صفات النقص ، ليعلم أن معرفته مبنية على إثبات صفات الكمال وسلب صفات النقص لأرباب النظر ، وكان أصل أحد : وحد ، فقلبت الواو همزة ، والواو المفتوحة قد تقلب همزة كما تقلب المكسورة والمضمومة ، ومنه امرأة أسماء بمعنى وسماء من الوسامة . ومعنى الواحد في اسمه سبحانه قيل : هو الذي لا يصح في وصفه الوضع والدفع بخلاف قولك : إنسان واحد ؛ لأنك تقول إنسان بلا يد ولا رجل ، فيصح رفع الشيء منه والحق سبحانه بخلاف ذلك ، ويقال التوحيد على لسان العلم : الحكم بأن الشيء واحد . وأيضا العلم بأن الشيء واحد وقالوا : وحدته إذا وصفته بالوحدانية كما يقال : شجعت فلانا إذا نسبته إلى الشجاعة ، وقيل : التوحيد ثلاثة :
الأول : توحيد الحق للحق : وهو علمه بأنه واحد وخبره عنه بأنه واحد .
الثاني : توحيد الحق للخلق : وهو حكمه سبحانه بأن العبد موحد وخلقه توحيد العبد .
والثالث : توحيد الخلق للحق : وهو علم العبد بأن اللّه واحد وحكمه وإخباره عنه بأنه واحد .
واعلم أن التوحيد فرض على المؤمنين بقوله تعالى :
فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
[ هود : 14 ] ففرض التوحيد : اعتقاد القلب أن اللّه عز وجل واحد لا من طريق عدد ، أول ولا ثاني له ، أزلي لا أزلية لقدمه ، أبدي لا غاية لأبديته ، آخر في أوليته ، أولي في آخريته ، ظاهر في باطنيته باطن في ظاهريته ، وهو حي وله حياة ، ومريد له إرادة ، وقادر له قدرة ، وسميع له سمع ، وبصير له بصر ، ومتكلم له كلام ، وعليم له علم ، وباق له بقاء ، وأن صفاته وأسماءه وأنواره غير مخلوقة ولا منفصلة عنه ، وأنه أمام كل شيء ووراء كل شيء وفوق كل شيء ومع كل شيء ومن نفس الشيء ، وأنه مع ذلك غير محل للأشياء ، وليست الأشياء محلا له ، ولا يشبه الأشياء ، وأنه على العرش استوى ، كيف شاء بلا تكييف ، استواء يليق بذاته ، وأنه تعالى ينزل إلى السماء الدنيا نزولا يوافق صفاته
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
[ فاطر : 10 ] وهو باين من جميع خلقه يحتاج إليه العرش وحملته ، وهو حاملهم بقدرته كيف يشاء ، غير محتاج إلى شيء من خلقه ، كان اللّه ولم يكن معه شيء له الأسماء الحسنى والصفات العلى . لا زال ولم يزل بها موصوفا لا أغيار فتفارقه ، كما قالته الكرامية ، ولا ذاته