لجماله وجميلا لمحبته ، فإن كل محبة من محبة اللّه كما أن كل جميل من جمال اللّه فيحب اللّه لمحبته ويحبه اللّه لجماله ، ولهذا سمي حبيب اللّه ، فهو خليفة اللّه تشرفا وتكرما به ، ليحب جماله بمحبته خلافة عنه ، ويحمل لجماله خلافة عنه ليحبه اللّه .
واللّه خليفته إنعاما وإكراما ، ليكون قلبه الذي به يحبه وبصره الذي يبصر جماله كما لو فرضنا مرآة مصفاة ينظر فيها صاحب جمال فينعكس فيها صورة الناظر وصفاته .
فالصورة التي في المرآة تكون خليفة للناظر والناظر يكون خليفة للصورة التي في المرآة وكل واحد منهما يحب جمال نفسه وجمال صاحبه بالأصالة والخلافة عنه .
فالناظر يحب جمال نفسه وجمال منظوره بمحبته التي هي صفته بالأصالة ويحب جمال نفسه وجمال منظوره بالمحبة التي هي صفة المنظور خلافة عنه ، والمنظور يحب جمال نفسه وجمال ناظره بمحبته التي هي صفة بالأصالة ، ويحب جمال نفسه وجمال ناظره بالمحبة التي هي صفة ناظره خلافة عنه فوجدت الناظر والمنظور في الصورة اثنين وفي الحقيقة واحدا ، فالمحب والمحبوب على التحقيق واحد . كما قيل :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
وهذا تحقيق قوله : إن اللّه تعالى خلق آدم فتجلى فيه . فلما رأى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - في مرآة وجوده المصقولة عن طبع الطبع بمصقل لا إله إلا اللّه تجلى ذات الربوبية وصفاته . فقال : « أنا من اللّه » « 1 » أي من عكس ذاته وصفاته . وقال :
من « عرف نفسه فقد عرف ربه » « 2 » .
أي : من عرف نفسه بالمرآتية ، عرف ربه بأنه المتجلى فيه . ولما كانت من خصوصية المحبة الذلة والافتقار جعلت في طريق الخليفة استقلالا واستحقاقا ليفتخر الخليفة بالافتقار . ويقول :
« الفقر فخري »
« 3 » . ويتعزز المستخلف بعزته وجلاله فيقول : وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني ، فيكون المكونات تبعا لهذا الخليفة كما قال تعالى لحبيبه : لولاك لما خلقت الكون ويكون آدم ومن دونه تحت لوائه . فمن وجد سعادة الخلافة في حمل الجمال والمحبة بقوله :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] إنما وجد بتبعيته . فأما المحبة فإنها من لوازم وجود الإنسان لأنه جبلت القلوب على حب من أحسن إليها .
وأما الجمال الذي هو محبوب الحق تعالى . فإنه يحصل بمتابعته لقوله تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
[ آل عمران : 31 ] أي : تحبونه بمحبة جبلية فاتبعوني بالتبتل
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
( 3 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 1833 ) [ ج 2 ص 80 ] .