ولكن غاية الأمر مع عظم شأنه وعزيز برهانه ، قد جعل اللّه للسائرين إليه منارات ورتب وللطائرين به مقامات ، فبلغهم من ذلك على قدر ما طابت لهم ريح العناية وسارت بهم على فلك الاستقامة حتى وصلوا إلى معادن جواهر الهداية فبذلوا ليحصلوا ، وانفصلوا ليتصلوا فهبت نفحات ألطاف الربوبية فانحرفت حجب أستار البشرية عن وجه العبودية عند سطوات نكهات أوصاف الألوهية ، فكشف عن قلوبهم غطاء ظلمة الفكرة وكوشفوا بأنوار المعرفة ، فعاشوا بعد أن طاشوا ، وطاشوا بعد أن عاشوا ، فتارة بتجلي جماله عاشوا ، وأخرى بتجلي جلاله طاشوا فيه مترددون بين روضة عيش وغدير طيش ، إلى أن قطعوا مفاوز العيش وعبروا عن بحار الطيش ، فلم يبق العيش ولا الطيش ففنوا عن أنانيتهم بهويته وبقوا بلاهم بربوبيته .
واعلم أن مقامات المعرفة مبنية على ثلاثة فصول :
الفصل الأول : في مقام معرفة العوام .
الفصل الثاني : في مقام معرفة الخواص .
الفصل الثالث : في مقام معرفة أخص الخواص .
الفصل الأول في مقام معرفة العوام
وهي معرفة عقلية ، وقد تساوى فيه المسلم والكافر ، واليهود والنصارى ، والمجوس والملاحدة ، والفلاسفة والطبائعية والدهرية ، فإن لهم شركة في العقل ، وقد اتفق كلهم على وجود إله بلا خلف وإنما وقع الخلاف فيما بينهم في صفات الألوهية لا في الذات ، وهذا الخلاف أيضا واقع فيما بين المسلمين ، ولكل طائفة منهم مذهب في إثبات الصفات ونفيها فلا نشرع في شرحه لئلا يخرجنا من حد الإيجاز ، والذي يدل على اتفاق المؤمن والكافر في إثبات ذات اللّه تعالى قوله تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
ولقد قال الذين يعبدون الأصنام أيضا :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزّمر : 3 ] .
واعلم أن هذا النوع من المعرفة أعني المعرفة العقلية ليست بمنجية من النار إلا أن يكون الاستدلال العقلي مؤيدا بنور الإيمان ومؤكدا بالأعمال الصالحة . واللّه أعلم .
والمعرفة العقلية ما يكون ثابتا بالدليل الواضح على وجود الصانع الباري ووحدانيته من الإلهية جل جلاله .
ثم اعلم أن أولى الاستدلالات على وجود الصانع ووحدانيته بالحركة وأنها أظهر