عبد القادر الجيلي ، وأما اجتماعه بالخضر وصحبته له ، وأخذه الخزقة عنه ، فنحن نسلم به حيث يضر الإنكار وينفع التسليم ، والتحجير على فضل اللّه تحكم لا تسيغه العقول .
وقد أجمع أهل الصلاح والعلم على أن مذهبه في العبادات والمعاملات كان طبق الآداب الشرعية الظاهرة ، وعلى أن مطمح نظره في الاعتقادات الباطنة كان التوجه نحو حقائق الكائنات ، وأن أفكاره لم تزل غائصة في تيار العبادات ، لاستخراج أبكار الإشارات .
ولقد أوضح الشيخ الأكبر وسيلة الوصول إلى تلك الحقائق بقوله : « ينبغي للعبد السالك أن يكون في حال نومه على حضور ، وأن يصرف همته لتصرف عقله في خياله حال منامه ، كتصرفه فيه حال اليقظة . فإذا حصل العبد على هذا الحضور ، وصار له طبيعة وخلقا ، وجد ثمرته في عالم البرزخ . واستفاد منه كثيرا . فعلى السالك طريق الحقيقة والآخرة أن يبذل وسعه في تحصيل هذا الحال . فإنه عظيم الفائدة » .
وهذه مرحلة من مراحل ، السلوك العلمي ليس للمبتدئين فيها نصيب . وإن كان لهم منها نظير . ولكنه أقل صعوبة وأسهل مراسا .
فالمريد المبتدىء يتسلط بهمته على عقله عند نومه . ويصرفه في ذكر اللّه تعالى كما كان في حال يقظته . وينام على هذا الحال . فإن روحه تسبح مع ذلك في عوالم الملكوت ، وتصفو من كل كدر ومرض : أما الحال الذي أوضحه الشيخ فهو مرحلة تتبع تلك المرحلة بعد أن يتقن السالك طريقه . ويبدأ في استفاضة العلم المكنون في بواطن نفسه وأعماق روحه . وليس بعد ذلك براعة في التربية القويمة والتعليم العلوي ، يستحق من أجلها الشيخ الأكبر كل باقات الثناء التي لم يخل منها كتاب تحدث عنه . والتي ألممنا ببعضها فيما سبق .
وقد كان من نتائج هذا العقل الجبار أربعمائة كتاب وصلت إلى الرواة تركها لنا هذا العملاق الأكبر في الفقه والحديث والتفسير والتاريخ والأدب والتصوف ومنها : الفتوحات المكية ، والفتوحات المدنية ، والفتوحات المصرية والفتوحات الموصلية ، والديوان الكبير ، وفصوص الحكم ، والميزان في حقيقة الإنسان ، والتدبيرات الإلهية ، وعقلة المستوفز ، وإنشاء الدوائر ، والجلال والجمال ،
مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 79
مساهمون: ابن عربي
ص٧٩