تبصرة : إذا علمت معنى نزوله في العالم الأكبر ، فاعتبر بذلك استواءه ونزوله في عالم الإنسان ، وهو : العالم الأصغر ، كما سيأتي بيانه .
المثل الثاني : قوله تعالى :
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ
إلى قوله :
حَسِيرٌ
فلا تعتقد أن المراد منك أن يرجع بصرك في طباق السماء ، فإن اللّه يعلم انك لا تدرك ببصرك ذلك ، لضعفه وشدة البعد ، وتأمل قوله :
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
أي أن الرحمن خلقك وخلق السماوات ، قال تعالى :
الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ
الآيات فكما خلق السماوات ، خلق فيك أمثلة لها ، لا تفاوت بين تلك الأمثلة وبينك ، فارجع بصرك في تلك الأمثلة : تعلم أنه سبحانه ضرب قلبك لنفسه مثلا ، وذلك أن قلبك هو صاحب دوائر أطوارك ، وله تعالى في استوائه عالمان : عالم خلق ، وهو عالم حسك ، وعالم أمر ، وهو عالم غيبك ، فإذا أراد تدبير عالم الحس تنزل بروح أمره ، وهو نور البصر .
ومن المعلوم عند علماء التشريح : ان للروح الباصر سبع طباق ، تتنزل منها إلى أن تصل إلى عالم الحس ، وأنت إذا اعتبرت ذلك حكمت بسببه أن نزوله سبحانه منزه ، عن النقلة والحركة ، ألا ترى أن القلب يدرك بالبصر ، ويدرك به البصر الشيء البعيد حسا في آن واحد ، من غير تنقل ولا خطور في طباقه ، ينفذ من بعضها لبعض ، ولا مهلة في تنزله ورجوعه إليه ، ولا تفاوت في نسبته إليها .
وقد قال المحققون من أهل النظر : ان العين مرآة القلب ، أي من نظر إلى عين رجل رأى منها حقيقة قلبه ، ولتحقق الروح الباصر بالقلب اشتبه على كثير من العقلاء ، فاعتقدوا أن البصر ليس حسا مغايرا للقلب .
وكذا باقي الحواس ، بل هي بمثابة الشبابيك ، والقلب هو المدرك منها لما في عالم الحس .
وهذا كله : يكشف لك سر نسبة النزول إلى ربنا سبحانه ، بنزول روح
هامش
عرف ربه » وهو من الكتب الموجودة في الحاوي للفتاوى للسيوطي .
وقال النجم : قلت وقع في أدب الدنيا والدين للماوردي عن عائشة : « سئل النبي ( ص ) :
من أعرف الناس بربه ؟ قال : أعرفهم : بنفسه » ا ه مخيون .