فقالت : في السماء .
قال : أعتقها فإنها مؤمنة » .
والجواب : أنه قد قررنا أن تجلياته تعالى بأسمائه وصفاته محيطة بدوائر السماوات والأرض ، وأن لها في تصرفها وسائط سفلية منسوبة للعباد ، ووسائط علوية منسوبة له ، فأطلق على نفسه سبحانه انه في السماء باعتبار الوسائط ، ومظاهر تجلياته العلوية ، وانه في الأرض باعتبار المظاهر ، والوسائط السفلية
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
وقال تعالى :
لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
فإذا كان المقصود بالسياق تحذير أهل الأرض ، وتفخيم الأمر : جاء التعبير بمن في السماء ، فإن مظاهره السماوية هي القائمة بالتصرفات الغيبية المنسوبة إليه ، كما قررناه .
وأما تنزل التدبير وعروجه ، فهو عروج روحاني ، وسر رحماني ، وكشف عرفاني ، وسيأتي له مزيد بيان بعد ذكر مسألة الاستواء .
وأما تقرير الجارية على أن اللّه في السماء ووصفها بأنها مؤمنة ، فالحق أن النبي ( ص ) : لم يعتمد في إيمانها وتقريرها ظاهر لفظها ، فإن لفظها ليس مفيدا لتوحيد اللّه ، لا على المذهب القائل بالجهة ولا غيرهم .
أما عند من لا يثبت الجهة فواضح ، وأما عند مثبت الجهة ، فلأنهم موافقون على أنه قد عبدت الملائكة والشمس والكواكب ، وهي في السماء ، وعبد عيسى وهو حين الأخبار في السماء ، وليس في لفظها ما يخرج هؤلاء عن الآلهة ، ولا ما يقتضي وصفها بالإيمان .
وأقرب احتمال في ذلك أن الجارية أشرق لبصيرتها نور التوحيد في الآفاق السماوية ، تحقيقا لقوله تعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ
الآية . فلما قال لها : أين اللّه ؟ قالت في السماء .
أي ظهر نور توحيده في السماء ، فقال : « اعتقها فإنها مؤمنة » .
هامش
- مؤمنة » ا ه مخيون .
وأقول : هذه المرأة كانت خرساء ، ومعنى قالت : أشارت .
أنظر في ذلك « استحالة المعية بالذات » ففيه تفصيل طيب يجب أن تقرأه .