تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
عيسى ، وإدريس ( ع ) ، لا يدل على أن اللّه تعالى مخصوص بجهة السماء ، فاعتبر فرض الحج على العباد إلى البيت الحرام ، وأمر اللّه تعالى الناس بالتوجه إليه من جميع الجهات ، وجعل سكانه جيران اللّه « 1 » وحجاجه وفدة وضيفانه ، والحجر الأسود يمينه ، مع أن نسبة البيت وغيره إلى اللّه سبحانه باعتبار المسافة واحدة ، فعلم أن القصد بالسير إلى البيت : ليس مقصودا ، لأن السير يقتضي القرب والوصول إليه بالمكان ، وإنما للّه سبحانه تعبدات وأسرار في ضمن مشروعات يقتضيها من عباده ، لحكم ظاهرة وخفية ، ألا تراه كيف ناجى موسى بالوادي المقدس ، وأسمعه كلامه من الشجرة « 2 » ووصفه بالقرب إلى مجلس حضرته ونجواه ، مع الاتفاق على أنه تعالى لا يختص بجهة الوادي المقدس ، ولا يحل كلامه - وهو صفته - بالشجرة ، وان موسى قرب إليه مع كونه بالأرض ، وسمع نداء ربه من جانب الطور ، ولم يكن ربه بجانب الطور ، وإنما لتجلياته مظاهر وحجب روحانية وجسمانية ، لا يشهدها إلّا من فتق اللّه رتق قلبه ، وفلق أصباح ليله ، ونور مصباح مشكاته ، بزيت شجرة توحيده
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
. تشكيك : قد يورد على ذلك نحو قوله تعالى :
أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ
وقوله :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ
وأمثال ذلك : وقوله ( ص ) « 3 » للجارية « أين اللّه ؟ .
هامش
( 1 ) روى النسائي وغيره عن أبي هريرة : « وفد اللّه ثلاثة الغازي ، والحاج ، والمعتمر » أما « سكان الحرم جيران اللّه » فلم أطلع عليه في كتب الحديث ، وظاهر استنباطه من القرآن العظيم قوله تعالى :أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ. وأما « الحجر الأسود يمين اللّه » فقد سبق ذكره ، ا ه مخيون . ( 2 ) روى ابن جرير عن عبد اللّه بن مسعود ، قال : « رأيت الشجرة التي نودي منها موسى ( ع ) سمرة خضراء ترف » يعني من شجر السمر . ( 3 ) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم عن معاوية بن الحكم السليمي ، قال : « كانت لي غنم بين أحد والجوانية ، فيها جارية لي ، فأطلعتها ذات يوم ، فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة ، وأنا رجل من بني آدم ، فأسفت فصككتها ، فأتيت النبي ( ص ) ، فذكرت ذلك له ، فعظم ذلك علي ، فقلت : يا رسول اللّه أفلا أعتقها ؟ قال : أدعها . فدعوتها ، فقال لها : أين اللّه ؟ قالت : في السماء . قال : من أنا ؟ قالت : أنت رسول اللّه ( ص ) ، قال : اعتقها فإنها