قوله : « وان تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا » ليس على ظاهره ، لأن قربه سبحانه من العبد بنوره لا يزال ولا تتفاوت درجاته ، وإنما البعد صفة العبد ، وبعده عن اللّه هو حجابه عن شهود قرب اللّه منه ، وشهود قربه على حسب نور الإيمان والاستجابة ، وبهذا يكون تقرب العبد إلى ربه .
وأما تقرب الرب إلى العبد فارشاده بنوره لنوره ، وقد جمع اللّه ذلك كله في قوله :
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
.
تنبيه قوله :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ
« 1 » يدل على أن قربه من عبده سبحانه قرب حقيقي « 2 » مع تعاليه عن المكان لأنه لو كان القرب يراد به قربه بعلمه أو قدرته وصفاته ، لقال : « ولكن لا تعلمون » ونحوه ، فقوله :
وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ
يدل على القرب الحقيقي المدرك بالبصر ، والبصر لا تعلق لادراكه بالصفات المعنوية ، وإنما يتعلق بالحقائق المرئية ، وكذلك قوله :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
يدل على ذلك ، لأن ( أفعل من ) تدل على الاشتراك في القرب ، ولا اشتراك بين قرب الصفات وقرب حبل الوريد ، وعلى هذا فالقرب قرب حقيقي روحاني « 3 » ، بدليل قوله تعالى :
فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ
« 4 » أي من الذين يكشف لهم عن نعيم القرب الرباني
فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ
« 5 » فجعل قربهم : وجدانهم للروح والريحان ، وقد قريء بضم الراء وفتحها ، وقد تقدم في حقيقة الرؤية ما يكشف عن معنى الإدراك للقرب بالبصر .
تبصرة : حكمة مجيء التفضيل لقربه على حبل الوريد : انه تقدم ذكر الوسواس ، ووسواس النفس : من إلقاء الشيطان ، ومجراه الأوردة ، بدليل قوله ( ص ) : « ان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » « 6 » ومجرى الدم هو عروق الأوردة ونحوها ، فنبه بقوله :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
على أنه أقرب إليه من مجرى الوسواس ، وقلت في ذلك :
هامش
( 1 ) سورة الواقعة ؛ الآية : 85 .
( 2 ) وقال ابن كثير في تفسيره : يعني ملائكته أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه .
( 3 ) قوله « روحاني » فسر به ما يقصد فيما سبق ( رحمه اللّه تعالى ) :
وبيّن أنه : ليس المقصود به إلتصاق جسم بجسم - تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا - وأوضحه أكثر فيما بعد عند قوله :فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَفالمقربون هنا تقريبهم روحاني .
( 4 ) سورة الواقعة ؛ الآيتان : 88 و 89 .
( 5 ) سورة الواقعة ؛ الآيتان : 88 و 89 .
( 6 ) متفق عليه في الصحيحين ، ا ه مخيون .