والآيات المحكمة ، كما في صحيح البخاري « 1 » وغيره عن أبي جحيفة قال :
« قلت لعلي ( رضي اللّه عنه ) هل عندكم كتاب ؟ قال : لا ، إلّا كتاب اللّه ، أو فهم أعطيه رجل مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة » .
وفي بعض الروايات « إلّا ما يعطيه اللّه عبده فهما في القرآن » قلما انقطع بموته ( ص ) عن ظواهر الأسماع مدد روح الوحي ، وعفت عهود الوقائع بانفراض علماء الصحابة ( رضي اللّه عنهم ) ، وضعف استنباط المتشابه من المحكم بمخالطة النبط وانعجم المعنى الواضح بملابسة العجم ، وحصل التمريج « 2 » في القلوب فزاغت وحجبت عن هواتف الغيب ، وكثر الكلام فيما لا يعني ، فقل أبناء الحكمة ، فهنا لك ظهرت أرباب البدع ، وأشكل معنى المتشابه ، فاتبعه من في قلبه زيغ ، وكاد الأمر يلتبس لولا ما أيد اللّه به هذه الأمة من العلماء الوارثين ، والسلف الصالح ، فنهضوا لمناظرة أرباب البدع ، وتخطئتهم ، وحل شبههم ، ونهوا الناس عن اتباعهم وعن الاصغاء إليهم ، وعن التعرض بالآراء للمتشابه ، وحسموا مادة الجدال فيه والسؤال عنه ، سدا للذريعة واستغناء عنه بالمحكم ، وأمروا بالإيمان به وبامراره كما جاء من غير تعطيل ولا تشبيه « 3 » وكان هذا في عصرهم مغنيا ، لولا أن المبتدعة دونوا بدعهم ونصبوا عليها أشراك الشبه والأهواء المضلة ، فوفق اللّه الراسخين من علماء السنة فدونوا في الرد عليهم الكتب الكلاميّة ، وأيدوها بالحجج العقلية والبراهيم المنيرة من الكتاب والسنة ، إلى أن أظهر اللّه الحق على ألسنتهم ، وقمع أهل الباطل والزيغ ، وأطفأ نار البدع والأهواء ، فجزاهم اللّه عن نصيحة هذه الأمة أفضل الجزاء .
ولنشرع في بيان ما سألته على سبيل الإجمال ، ثم على سبيل التفصيل :
فاعلم - هداني اللّه وايّاك لما اختلف فيه من الحق بإذنه - ان ربنا سبحانه وتعالى : حي ، متكلم ، عالم ، مريد ، قدير
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
أحدي فلا أين ، ولا تركيب لذاته أزلي فلا كيف ولا ترتيب لصفاته ، أبدي فلا تناهي لجلاله وإكرامه ، تنزه في سمعه وبصره وادراكه وبطشه عن
هامش
( 1 ) في كتاب العلم ، ا ه مخيون .
( 2 ) النسخة الشامية « التمرج » ا ه مخيون .
( 3 ) لقوله تعالى :وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّناسورة آل عمران ؛ الآية : 7 .