عليه ، مستعملا لكل فضيلة ، مجتهدا في بلوغ الغاية ، عاشقا لصورة الكمال ، ملتذا بمحاسن الأخلاق ، متيقظا لمذموم العادات ، معتنيا بتهذيب نفسه ، غير مستكثر ما يقتنيه من الفضائل ، مستعظما لليسير من الرذائل ، مستصغرا للرتبة العليا ، مستحقرا للغاية القصوى ، يرى التمام دون محله ، والكمال أقل أوصافه .
فأما الطريقة التي توصله إلى التمام ، وتحفظ عليه الكمال فهي : أن يصرف عنايته إلى النظر في العلوم الحقيقية ، ويجعل غرضه الإحاطة بماهيات الأمور الموجودة ، وكشف عللها وأسبابها ، وتفقد غاياتها ، ولا يقف عند غاية من علمه إلّا ورنا « 1 » بطرفه إلى ما فوق تلك الغاية ، ويجعل شعاره - ليله ونهاره - قراءة كتب الأخلاق ، وتصفح كتب السير ، والسياسات ، وأخذ نفسه باستعمال ما أمر أهل الفضل باستعماله ، وأشار المتقدمون من الحكماء باعتياده ، وينشد أيضا طرفا من أدب البيان والبلاغة ، ويتحلى بشيء من الفصاحة ، والخطابة ، ويغشى أبدا مجالس أهل العلم والحكمة ، ويعاشر دائما أهل الوقار والعفة .
هذا إن كان رعية وسوقه .
فإن كان ملكا ورئيسا ، فينبغي أن يجعل جلساءه ومنادميه وغاشته « 2 » والمطيفين به : كل من كان معروفا بالخير والسداد ، موصوفا بالأدب والوقار ، مخصصا بالعلم والحكمة ، محققا بالفهم والفطنة ، ويقرب مجالس أهل العلم ، وينشطهم ، ويكثر مجالستهم والأنس بهم ، ويجعل تفرجه وتفكهه مذاكرتهم في العلم وفنونه ، وسياسة الملك ورسومه ، وأخبار الحكماء وأخلاقهم ، وسير الملوك الأخيار وعاداتهم .
هامش
( 1 ) رنا : أدام النظر .
( 2 ) بفتح الشين المعجمة والتاء الخفيفة : أي من يغشاه .