بالخمر واللبن . فشربت اللبن ميراث تمام تمكين ، وتركت الخمر حذار أن أكشف السر بالسكر فيضل من يقفو أثري . ولو أوتيت بالماء بدلها لشربت الماء . فإن خلاصة التمكين في قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 )
[ الأنبياء : 107 ] .
وأمّا لو كان الشراب عسلا ، ما اتخذ أحد الشريعة قبلا ، لسرّ خفي في النحل ، فيه هلاك القلوب بالمحل .
قال السالك :
فارتفعت الهمة لطلبه ، وبادرت لاختراق حجبه
وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ
[ النور : 26 ] ، إليكموها ساعدكم السعد صفقة رابحة ، وحالة مباركة صالحة .
فرؤياه جلّا ، وفقده عمّا ، ثم قام عجلا ، وأنشد مرتجلا :
غرست لكم غصن الأمانة يانعا * وإنّي لجّاني بعده ثمر الغرس
تولّعت بالتّبليغ لمّا تبيّنت * أمور تعرقيتي عن الإنس والأنس
ورحت وقد أبدت بروقي وميضها * وجزت بحار الغيب في مركب الحسّ
ونمت وما نامت جفوني غديّة * وتهت بلا تيه على الجنّ والإنس
فيا نفس هذا الحقّ لاح وجوده * فإيّاك والإنكار يا نفس يا نفسي
العزم العزم ، وأسأل اللّه العون ، ما دمت مدبر الكون ، فطال واللّه ما أنهكتني المشقة ، وقطع بي بعد الشقة ، وهذه وصيتي . فاعلم دللتك بها على الطريق الأرفق فالزم ، والسر الذي في زمزم هو لما شرب له فالزم .
قال السالك :
كان ما كان فهو مصروف إليكم ، وإنما هي أعمالكم ترد عليكم ، إن خيرا فخيرا ، وإن شرا فشرا .
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 )
[ الزلزلة : 7 ، 8 ] .
ثم قال : هيهات أين الكرم من الإيثار ؟ الكرم سيادة ، والإيثار عبادة . الكرم مع الرئاسة ، والإيثار مع الخصاصة .
ثم قال : يا بني اقصد باب مولاك إلى ما إليه ناداك محبك ومولاك .
قال : يا سيدي هل تعرف لهذا الباب مفتاحا .
قال : أي والعليم الفتاح .