واعتزاله الحرب ، فأبت خزاعة أن يقرّوهم ، ونفتهم عن الحرم كله . وقال عمرو بن لحيّ وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر لقومه : من وجد منكم جرهميا قد قارب الحرم فدمه هدر . ففزعت إبل مضاض بن عمرو بن الحارث الجرهمي من فنونا تريد مكة ، فخرج في طلبها حتى وجد أثرها قد دخلت مكة ، فمضى إلى الجبال من نحو جياد حتى ظهر على أبي قبيس يتبصر الإبل في بطن وادي مكة ، فأبصر الإبل تنحر وتؤكل لا سبيل له إليها ، فخاف إن هبط الوادي أن يقتل فولى منصرفا لأهله ، وأنشأ يقول :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر
ولم يتربع واسطا فجنوبه * إلى المنحنى من ذي الإزالة حاضر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا * صروف الليالي والجدود العواثر
وأبدلنا ربي بها دار غربة * بها الذئب يعوي والعدو المحاصر
فإن تنثني الدنيا علينا بحالها * فإن لها حالا وفيها التشاجر
فإن تمل الدنيا علينا بكلّها * سيصلح حال بعدنا وتشاجر
ونحن ولّينا البيت من بعد ثابت * نطوف بذاك البيت والخير حاضر
ملكنا فعزّزنا وأعظم بملكنا * فليس لحيّ غيرنا ثم فاخر
فكنا ولاة البيت من بعد ثابت * بعزّ فما يخطى لدنيا المكاثر
وأنكح جدّ خير شخص علمته * فأبناؤنا منه ونحن الأساهر
فأخرجنا منها المليك بقدرة * كذلك بل للناس تجري المقادر
أقول إذا نام الخليّ ولم أنم * إذا العرش لا يبعد سهيل وعامر
وبدلت منهم أوجها لا أحبها * وحمير قد بدّلتها والبحاتر
وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة * كذلك غضتنا السنون الغوابر
وسحّت دموع العين تبكي لبلدة * بها حرم أمن وفيها المشاعر
بواد أنيس ليس يؤذي حمامة * تظل به آمنا وفيه العصافر
وفيه وحوش لا ترام أنيسة * إذا خرجت منها فما أن تقادر
فيا ليت شعري هل تعمّر بعدنا * جياد فمعضني سيله فالظواهر
فبطن منى وحش كأن لم يسر به * مضاض ومن حيي عديّ عمائر
وقال عمرو أيضا يذكر بكرا وغسان ومن خلفهم في مكة بعدهم :
يا أيها الحيّ سيروا إن قصركم * أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
إنّا كما كنتم كنّا فغيّرنا * دهر فسوف كما صرنا تصيرونا
حثّوا المطيّ وأرخوا من أزمّتها * قبل الممات وقصّوا ما تقصّونا