إني كميّ في الحروب بازل * ليث إذا اصطك الليوث باسل
ضرّاب هامات العدا منازل * قتال أقران الوغى مقاتل
قال : ثم طعنه طعنة فقتله ، ثم قال : يا فتيان ، هل لكم في العافية وإلا فارس لفارس ؟
فتقدم إليه آخر من أصحابي فقال له الغلام : من أنت ؟ قال : أنا صابر بن حرقة السعدي ، فشدّ عليه ، وأنشأ يقول :
إنك والإله لست صابرا * على سنان يجذب المقادرا
ومنصل مثل الشهاب باترا * في كفّ قرن يمنع الحرائرا
إني إذا ما رمت أن أقاسرا * يكون قرني في الحروب باترا
ثم طعنه طعنة فقتله ، ثم قال : هل لكم في العافية وإلا فارس لفارس ؟ فلما رأيت ذلك هالني أمره ، وأشفقت على أصحابي ، فقلت : احملوا عليه حملة رجل واحد ، فلما رأى ذلك أنشأ يقول :
الآن طاب الموت ثم طابا * إذ تطلبون رخصه كعابا
ولا نريد بعدها عتابا * فدونها الطعن مع الضرابا
فركبت نعيمة فرسها ، وأخذت رمحها ووقفت ، فما زال يجادلنا ونعيمة حتى قتل منا عشرين رجلا ، فأشفقت على أصحابي ، فقلت : يا عامر ، بحق الممالحة يا غلام قد قبلنا العافية ، ثم قال : ما كان أحسن هذا لو كان أولا ، وتركنا وسالمنا . ثم قلت : يا عامر ، بحق الممالحة من أنت ؟ قال : عامر بن حرقة الطائي وهذه ابنة عمي ، ونحن في هذه البرية منذ زمان ودهر ، ما مرّ بنا أنسي غيركم ، فقلت : من أين طعامكم ؟ قال : من حشرات الطير والوحش والسباع ، قلت : من أين شرابكم ؟ قال : الخمر ، أجلبها من بلاد البحرين كل عام مرة أو مرتين ، قلت : إن معي مائة من الإبل موفورة متاعا ، فخذ منها حاجتك ، قال : لا حاجة لي فيها ، ولو أردت ذلك لكنت أقدر عليه ، فارتحلنا عنهم منصرفين . قال الحجاج :
الآن طاب قتلك يا عدو اللّه لغدرك بالفتى ، قال : قد كان خروجي على الأمير أصلحه اللّه أعظم من ذلك ، فإن عفا عني الأمير رجوت أن لا يؤاخذني بغيره ، فأطلقه ووصله إلى بلاده . قلت : وهذا عامر بن حرقة الطائي منا ، وربما قد ذكرته في بعض قصائدي مع المشاهير من أجدادي في المفاخرة .
ولنا في هذا الباب شعر :
أشدّ على قاسي اللجام سناني * فيكرع من حوض الدماء سناني
فأروي به من حوض كل غشمشم * يحمي قرونته ليوم طعان