حتى إذا ما أمعنت * في القفر ثم درمت
وردت قصرا منهلا * في جوفه طام خلا
وعنده خيمة * في جوفها نعيمة
غريرة كالشمس * فاقت جميع الإنس
نعجت مهري عندها * حتى وقفت معها
حيّيت ثم ردّت * في لطف وحيّت
فقلت يا لعوب * والطفلة العروب
هل عندكم قراء * إذ نحن بالعراء
قالت نعم برحب * في لطف وقرب
اربع هنا عتيدا * ولا تكن بعيدا
حتى يجيك عامر * مثل الهلال الزاهر
فعجت عن قريب * في باطن الكثيب
حتى رأيت عامرا * يحمل ليثا حادرا
على عتيق سابح * كمثل طرف اللامح
قال : وكان الحجاج متكئا فاستوى جالسا ، ثم قال : ويحك دعني من السجع والرجز وخذ في الحديث ، قال : نعم أيها الأمير ، ثم نزل فربط فرسه وجمع حجارة ، وأوقد عليها نارا ، وشقّ عن بطن الأسد ، وألقى مراقه في النار ، وجعلت أصلح اللّه الأمير أسمع للحم الأسد تشديدا ، فقالت له نعيمة : قد جاءنا ضيف وأنت في الصيد ، قال : فما فعل ؟ فقالت :
ها هو ذاك بظهر الخيمة ، فأومت إليّ فأتيتها ، فإذا أنا بغلام أمرد كأن وجهه دائرة القمر ، فربط فرسي إلى جنب فرسه ، ودعاني إلى طعامه فلم أمتنع من أكل لحم الأسد لشدة الجوع ، فأكلت أنا ونعيمة منه بعضه ، وأتى الغلام على آخره ، ثم مال إلى زقّ فيه خمر فشرب وسقاني ، فشربت ثم شرب الغلام حتى أتى على آخره . فبينما نحن كذلك إذ سمعنا وقع حوافر خيل أصحابي ، فقمت وركبت فرسي ، وتناولت رمحي ، وسرت معهم ، ثم قلت : يا غلام ، خلّ عن الجارية ولك ما سواها ، فقال : ويحك احفظ الممالحة . قلت : لا بد من الجارية . فالتفت إليها وقال لها : قفي وانظري فعلي في هؤلاء اللئام . ثم قال : يا فتيان ، هل لكم في العافية وإلا فارس لفارس ؟ فبرز إليه رجل من أصحابي ، فقال له الغلام : من أنت ؟ فلست أقاتل إلا كفؤا . قال : أنا عاصم بن كلبة السعديّ ، فشدّ عليه وأنشأ يقول :
إنك يا عاصم بي لجاهل * إذ رمت أمرا أنت عنه نأكل