قال : إذا كنت زاهدا ؟ في نفسك هاربا من جميع ما يشغلك عن اللّه لأن جميع ما يشغلك عن اللّه هي دنيا . قال يوسف بن الحسين فذكرت ذلك لطاهر المقدسي فقال : على هذا ترك أخبار المرسلين . وبالإسناد عن الحسن بن علي يقول : سمعت إسرافيل يقول : سمعت ذا النون يقول : إنما رجع من رجع من الطريق ولو وصلوا إلى اللّه ما رجعوا ، فازهد في الدنيا ترى العجب . سمعت الأستاذ أبا يعقوب الكومي بجامع القديس من أشبيلية يقول ونحن جلوس بين يديه : إنما رجع من رجع ما لم يبلغ رأس العقبة ، فلو بلغ رأس العقبة وكشف ما هنالك ما رجع ، رأس العقبة مطالعة الحقيقة رجال اللّه انحدروا عليها من الجانب الآخر فلم ترهم عين بعد ذلك هنا إلّا إذا كانوا رسلا حاملين أمانة .
وبالإسناد عن أبي محمد بن عبد اللّه بن سهل قال : سمعت ذا النون أبا الفيض وسألته قلت : متى يتمّ زهدي بعد ورعي ؟ قال : إذا جعلت الفرض لك معلما وأقمت الطاعة لك مفهما . قلت : فمتى يشتدّ بي بغض الدنيا ؟ قال : إذا جعلت الدنيا طريق مخافة لا تلتفت إلى ما قطعت منها ، وجعلت الآخرة ساحة مأمونة لا تأمن إلّا بالنزول فيها قلت : متى أستلذ الموت ؟ قال : إذا جعلت الدنيا خلف ظهرك ، وجعلت الآخرة نصب عينيك . قلت : فمتى أتّقي شهوات مطاعم الأرض ؟ قال : إذا خالط قلبك الملكوت وسرح في سرائر الجبروت . قلت : فمتى تصلب معرفتي ؟ قال :
إذا استوحشت من الدنيا واشتد بنزولك البلى . فمتى أستقبح الدنيا ؟ قال :
إذا علمت أنّ زينتها فساد كل معينن وأنّ محاسنها تفضي إلى كل حسرة .
قلت : فمتى أكتفى بأهون الأغذية ؟ قال : إذا عرفت هلاكك الشهوات
الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 71
مساهمون: ابن عربي
ص٧١