صارت إليه ملأها لهم من سر ما سروا إليه ، أبدانهم دنياوية وقلوبهم سماوية ، قد احتوت قلوبهم من المعرفة كأنهم يعبدونه مع الملائكة بين تلك الفرج وأطباق السماوات ، لم يجتنوا من ربيع الباطل ولم يرتعوا في مصيف الآثام ونزهوا اللّه أن يراهم يتواثبون على حبائل مكره هيبة منهم وإجلالا أن يراهم يبيعون أخلاقهم بشيء لا يدم بلذة من العيش مزهودة ؛ فأولئك الذين أجلسهم على الكراسي أطباء أهل المعرفة بالأدواء والنظر في منابت الدواء ، فجعل تلامذهم أهل الورع والبصر ، فقال لهم :
إن أتاكم عليل من فقدي فداووه أو مريض من ذكر فأدنوه أو ناس لنعمتي فذكروه أو مبارز لي بالمعاصي فنابذوه أو محب لي فواصلوه يا أوليائي فلكم عاتبت ولكم خاطبت ومنكم الوفاء طلبت ، لا أحب استخدام الجبارين ولا تولي المتكبرين ولا مصافاة المتوثبين ، يا أوليائي وأحبائي جزائي لكم أفضل الجزاء ، وعطائي لكم أفضل العطاء ، وبذلي لكم أفضل البذل وفضلي عليكم أوفر الفضل ، ومعاملتي لكم أوفى المعاملة ، ومطالبتي لكم أشد المطالبة ، أنا مفتش القلوب ، وأنا علّام الغيوب ، وأنا عالم مجال الفكر ووساوس الصدور ، من أرادكم بسوء قصمته ، ومن عاداكم أهلكته ، ثم قال ذو النون : ويحك وردت قلوبهم على بحر محبته فاغترفت منه ريّا من الشراب فشربت منه بمحاضر القلوب ، فسهل عليها كل عارض عرض لها عند لقاء المحبوب ، فواصلت الأعضاء مبادرة ، وألقت الجوارح تلك الراحة ؛ فهم رهائن أشغال الأعمال قد اقتلعتهم الراحة بما كلّفوا أخذه عن الانبساط بما لا يضرّهم تركه ، قد سكنت لهم النفوس ورضوا بالفقر والبؤس ، واطمأنت جوارحهم على الدؤوب على طاعة اللّه تعالى
الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 32
مساهمون: ابن عربي
ص٣٢