تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩

باب في ذكر محنته واجتماعه مع أمير المؤمنين المتوكل ومنصرفه من بغداد

ولما برع في هذه الطريقة وسما على المجتهدين في العبادة ، وفتح عليه في المعرفة ، وظهر عنه من العلم ما لم تبلغه أفهام أهل وقته سمّوه زنديقا ، وسعوا به إلى أمير المؤمنين المتوكّل ، وذلك سنة أربع وأربعين ومائتين فاستحضره المتوكل من مصر مقيدا ، فدخل عليه ووعظه حتى بكى المتوكل وردّه إلى مصر مكرما ؛ وكان المتوكل بعد ذلك إذا ذكر بين يديه أهل الورع يبكي ، ويقول : إذا ذكر أهل الورع فحيّهل بذي النون . حدثنا أبو الثّناء محمود اللبّان بالموصل حدثنا تاج الإسلام ابن خميس حدّثنا بسنده إلى ذي النون قال : قال ذو النون : لمّا حملت إلى بغداد رمى بي على باب السلطان مقيّدا فمرّ بي رجل مئتزر بمنديل مصريّ معتمّ بمنديل ديبقي ، بيده كيزان خزف رقاق وزجاج مخروط ، فسألت : هذا ساقي السلطان ؟ فقيل لي : بل ساقي العامّة ، فأومئت إليه اسقني ، فتقدّم إليّ وسقاني فشممت من الكوز رائحة المسك ، فقلت لمن معي : ادفع إليه دينارا فأعطاه الدّينار فأبى أن يأخذه ، وقال : ليس آخذ شيئا ، فقلت له : ولم ؟ قال : أنت أسير وليس من المروءة الأخذ من الأسير ، فقلت : هذا قد كمّل الظرف ، وإذا إنسان يكلّمني من ورائي ويقول : يا شيخ فلم تتظرّف عن الحال التي أحيت فيك ، وما أرى ، فالتفتّ فإذا امرأة زمنة ( أي مسنّة ) في كوخ يتصدّق عليها ، فقلت لها : أنا مظلوم ، قال : فاقبل الآن منّي ، إذا
الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 29 | ابن عربي / عبد الحميد صالح حمدان