ثم أخرجني الحق إلى المنزل الثالث : فأدخلني فيه . فرأيت خزائن مقفلة ليس لها مفاتيح .
فقلت له : أين مفاتيح هذه الخزائن ؟
قال : رميت بها في البحر المحيط .
فأنشأ لي مركبا وجريت في البحر ستة آلاف سنة .
فلما كان في الألف السابعة .
قال لي : تجرد عن ثيابك ، فإنك في وسطه ، واغطس على تلك المفاتيح ، فهنا
مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ
« 1 » فتجردت عن ثيابي فأردت إزالة مئزري .
فقال لي : لولا المئزر ما قدرت أن تنغمس . فشددت مئزري ، ورميت نفسي من المركب حتى وصلت قعر البحر ، فأخرجت المفاتيح . فلما حصلت على ظهر البحر ، خرجت نار من المفاتيح فأحرقت المركب . فصعدت حتى وصلت الخزائن ، فطارت المفاتيح من يدي وبادرت إلى فتح الأقفال . ففتحت الأبواب ، ودخلت الخزائن فرأيت بداية من غير نهاية ، ونظرت أن أرى فيها شيئا ، فما رأيت شيئا إلا فارغة .
فقال لي : ما رأيت ؟
قلت له : ما رأيت شيئا .
قال لي : الآن رأيت ، من هنا تكلم كل ذي سر ، وهذا عشه . أخرج . فخرجت ، فرأيت كل شيء مكتوبا على ظاهر الأبواب . ثم نظرت في جوانب الخزائن ، فلم أر فيها من السهام إلا قليلا .
ثم قال لي : كل ما رأيت فهو كون ، وكل كون ناقص . ارق حتى لا ترى كونا .
فرقيت ، فرماني في بحر الحيرة ، وتركني أسبح فيه .
هامش
( 1 ) الآية رقم ( 6 ) من سورة هود . ونصّها :* وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ( 6 ) .