وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
« 1 » . فالكسب عبارة عن الاختيار لأنّه مبدأ الفعل .
فإن قيل : إنّه تعالى جبر المختار على أنّه يختار هذا بعينه ، فقد عاد الاختيار جبرا ، وهو محال شرعا « 2 » ولغة وعقلا . بل نقول : إرادته « 3 » أن يكون المختار مختارا ، وعلم ما ذا يختار فلم يمنع وقوعه ، فصار الواقع بعينه مرادا للرّبّ ، لكونه علم ولم يمنع ، وكسبا للعبد لكونه لم يعلم مراد الرّبّ فاختار ، ففقد بان أنّه متى أراد العبد ما أراد اللّه [ 21 / ب ] وقوعه بفعل من العبد ، كان العبد هاهنا مكتسبا ، ومتى فعل العبد ما أراد اللّه وقوعه بفعل من العبد فوقع بغير إرادة من العبد لم يكن مكتسبا ، بل العبد حينئذ إمّا مجزيّ بذلك الفعل الواقع منه لما تقدّم أيضا منه ، وإمّا مجبور عليه لحكمة أرادها اللّه منه ، والمجبور غير مؤاخذ إلّا أن يكون ذلك الجبر أيضا جبرا « 4 » ، كقوله تعالى « 5 » :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ . .
الآية ، ويتحقّق ذلك كلّه من فهم قوله تعالى « 6 » :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ . .
الآية .
نظم في ذلك ليحفظ بسهولة :
[ السريع ]
من قبل شاء الله ما شاءه * في الكون من نفع ومن ضرّ
لحكمة من أجلها أبدع ال * أضداد من حلو ومن مرّ
فغير ما قد شاءه لم يكن * ولو كمثقال من الذّرّ
ففعله الأمر إذا اختاره * لكونه بالأمر لا يدري
كسب له لا بدّ من كونه * كصورة الجبر بلا جبر
فالكسب ما يختاره قلبه * ممّا أراد الله أن يجري
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 225 .
( 2 ) ليس في م .
( 3 ) في م : أراد الله .
( 4 ) وعليه قول ابن الفرغاني : « ما من خطرة ولا حركة إلا بالأمر وهو قوله « كن » . . فلم يدع بهذين الحرفين لعاقل يدّعي شيئا من الدنيا والآخرة . معجم مصطلحات الصوفية : ص 61 .
( 5 ) سورة الأنعام : 110 . وتمامها :. . وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
( 6 ) سورة الإسراء : 18 . وتمامها :. . عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ.