وما عجبي عن واحد عنه واحد * كما قيل لكن من وحيد عن اثنين
فلولاه لم أوجد ولولاي لم يكن * ولا بدّ لي في كون ذاتي من اثنين
حقيقة ذاتي من حقيقة ذاته * ولا بدّ من ذاتي فلا بدّ من تين
وإني من الأضداد في كلّ حالة * كما هو مثل الغرّ في اللوّن والجون « 1 »
إذا كان عيني عينه فمن الذي * تحكم فيه بالنوى حاكم البين
ومن ذا الذي قد قيل فيه مداين * وهل كان هذا الحكم إلّا من الدّين
لقد حجبت منا قلوب صقيلة * عن الكشف والتحقيق من حجب الرّين « 2 »
لقد خالفوا في اللون وهو مشاهد * وأين شهيد الكون من شاهد اللون
لقد لنت للأقوام حتى كأنني * عجزت عن التقييد من شدّة اللين
وقد جاء حكم الفال فيما علمتم * وحاشاه مما تعرفون من الغين « 3 »
كما قيل حدّاد لحاجب بابهم * وقد قيل هذا اللفظ في العرف للقين « 4 »
ولو كان في الداعي إلى اللّه غلظة * لفرّوا ولكن جاء باللين والهين
وقال أيضا :
وجودي عن الأمر الإلهيّ لم يكن * عن الذات والتكوين لي فأعقل الشانا
وهذا الذي قد قلته لم يقل به * سوانا فحقّق من يكون إذا كانا
توحدت سرّا وهو أمر يخصّني * وإني كثير بالتأمّل إعلانا
فمن يرني مني يرى العين واحدا * ومن يرني منه يرى العين أعيانا « 5 »
وذلك من صدع يكون بعينه * يقيم به وزني فيخسر ميزانا
وإن لنا في كلّ حال ومشهد * دليلا على علمي بنفسي وبرهانا
وعلمي بنفسي عين علمي بربّها * يحققه كشفا جليا وإيمانا
ألست تراني في مجالس علمنا * أفتّق أسماعا أبصّر عميانا
وأهدي إلى النهج القويم بوحيه * قليب عبيد لم يزل فيه حيرانا
إذا نحن نادينا نفوسا به أتت * من الملأ العلويّ رجلا وفرسانا « 6 »
هامش
( 1 ) الجون : النبات ، وكذلك اللون الأحمر والأبيض والأسود ، والنهار .
( 2 ) الحجب : يريد : انطباع الصور الكونية في القلب المانعة لقبول تجلي الحق .
والرّين : حجاب القلب لا يمكن كشفه إلا بالإيمان ، وقال بعضهم : الرين هو الصدأ الذي يقع على القلوب .
( 3 ) الفال : ضعيف الرأي . الغين : ما يعارض القلب ثم يزول بالتوبة والاستغفار ، ومثله كمثل المرأة إذا تنفس فيها الناظر فينقص من ضوئها ثم تعود إلى حالة ضوئها .
( 4 ) القين : الحدّاد .
( 5 ) العين : إشارة إلى ذات الشيء الذي تبدو منه الأشياء ، الأعيان : حقائق الممكنات في علم الحق تعالى .
( 6 ) الملأ العلوي : يريد العقول المجردة والنفوس الكلية .