تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد ) — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
من كثافة الإنسانيّة ودنس الطبيعة . فإذا كان وقت التحويل صار الروح والجسد متجانسا ، فتجذب الروح الجسد إلى جنات النعيم المقيم ويسلبه من عنا الموت ، فيبقى مع الروح أبد الآبدين ، فلا يفنى ويطير بجناح المعاملة مع الروح في عالم الملكوت كما قال اللّه تعالى في معراج سيّدنا محمّد - صلى اللّه عليه وسلم - :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
[ الإسراء : 1 ] . وفي شأن عيسى - عليه السلام -
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ
[ آل عمران : 55 ] ، وفي حال إدريس - عليه السلام - :
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا
( 57 ) [ مريم : 57 ] ، وقال - صلوات الرحمن عليه : « نحن معاشر الأنبياء أجسادنا روح » « 1 » ، وقد حكى عن الشيخ أبي عبد اللّه محمّد بن خفيف - رحمه اللّه عليه - أنّ شابا من الأكراد قد طار في الهوى حتى غاب عن أبصار قومه وما وجدوا من الأبدال له رجوع . وأيضا لله تعالى عباد يطيرون في الهوى من الأبدال والأبرار والمقربين والسياحين والمختارين ، ومنهم القطب والخضر - عليهما السلام - رزقنا اللّه وإياكم مقام العارفين المقربين .

اختلفت الأقاويل في الذي يخاطبه اللّه تعالى في الإنسان .

قال بعضهم : « هي النفس »

، واحتجوا بقوله تعالى
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
( 8 ) [ الشمس : 7 - 8 ] ، وأيضا بقوله تعالى
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
[ يوسف : 53 ] . وقال بعضهم : « هو العقل » ، واحتجوا بقوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
[ النحل : 67 ] ، وأيضا بقول النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - « أوّل ما خلق اللّه تعالى العقل » « 2 » الحديث .

وقال بعضهم : « هو القلب »

، واحتجوا بقوله تعالى :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
[ الإسراء : 36 ] ، وبقوله :
فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ
[ البقرة : 97 ] ، وبقوله :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
( 11 ) [ النجم : 11 ] . وقال بعضهم : « هي الروح » ، واحتجوا بقوله تعالى :
أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[ آل عمران : 169 ] ، وبخبر النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : « إنّ الأرواح في أجواف طير خضر » « 3 » الخبر .

وقال بعضهم : « إنّ النفس والقلب والروح واحد »

، وقد غلطوا في ذلك إلا من
هامش
( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 2 ) رواه الديلمي في الفردوس ، ذكر حديث الأوائل ، رقم ( 4 ) [ 1 / 13 ] ونصه كاملا : « أول ما خلق اللّه العقل ، قال له : أقبل فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ، ثم قال : ما خلقت شيئا أحسن منك ، بك آخذ وبك أعطي ، فمن كان له واعظ من نفسه كان له من اللّه حافظ » . ( 3 ) -