بالنظر لأنّ وجود المؤمن في الجنّة كله نظر لأنّ الروح والجسد يكونان هناك شيئا واحدا كالشمس وحرارتها وبجميع الأعضاء يرى اللّه تعالى ، وكما يجوز أن القلب يرى اللّه تعالى بلا مكان ، فأيضا يجوز أن العين يرى اللّه تعالى بلا مكان لأنّ العين والقلب مخلوقان ليس لأحدهما على الآخر فرق بالخلقيّة ، ومقصودهم في إضافة الرؤية إلى القلب نفى الرؤية لأنّهم يقولون أنّ رؤية القلب زوائد يقينيّة ، وعلمه باللّه لا رؤية حقيقيّة وهو خطأ عظيم وقياس فاسد ، أعاذنا اللّه وإياكم من مذهبهم .
* وقال بعضهم إنّ الملائكة خير من النبيين والصدّيقين .
وقد غلطوا في ذلك لأنّ اللّه تعالى أضاف روح آدم - عليه السلام - إلى نفسه ، وقال :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر : 29 ] وأيضا أضاف تصوّر خلقه إلى نفسه ، وقال :
« خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] واصطفاه اللّه على الملائكة بنيابته ، وقال : « إنّي جاعل في الأرض خليفة » ، وأمرهم بالسجود له ، وهذا كله تخصيص وتفضيل على الملائكة . وإن اللّه تعالى خلق الملائكة روحانيّة وخلق أرواح النبيين والعارفين جلاليّة وقدسيّة . وهذا أيضا تخصيص عظيم كما قال - جلّ جلاله - :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
[ الإسراء : 70 ] .
* وقال بعض المتكلفين المتكلمين : « الروح ليس بداخل في الصورة ولا بخارج عنها »
، وهذا سهو عظيم لأنّ اللّه تعالى قال :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر :
29 ] ، فإشارة هذه الآية إلى ادخال الروح في الصورة وقولهم : « ليس بداخل ولا بخارج » من قلة فهمهم بهذه المسألة وتوهمّوا أنّ الصورة موضع ضيق لا يسع الروح ، وهذا غاية الخيال وتصوير المحال لأنّ صورة الإنسان العالم السفلانيّ ، وفيها قلب أوسع السماوات والأرض والعرش والكرسي ، وفيه الروح ، وهو آية اللّه تعالى كما قال :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
[ فصلت : 53 ] .
* وقد اختلف الحكماء في مسكن العقل .
إنّه مثل الحواس الخمس التي يدرك بها الإنسان الأشياء من الرائحة والطعم والشخص والصوت وجميع ذلك كلّه في الرأس . فعلمنا أنّ العقل في الدماغ ، واستدلّ أهل المعرفة بذلك في قوله تعالى
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها
[ الحج : 46 ] ، فلمّا أوضح اللّه لهم بأنّ لهم قلوب يعقلون بها علمنا أنّ العقل في القلب ، والأصل قول أهل المعرفة بأنّ اللّه تعالى خلق الروح لأجل المشاهدة والمخاطبة وخلق العقل لأجل المعاملة والمطالبة . والروح ملك البدن والعقل وزيره ، وهما من سكان القلب لأنّ القلب