وأنت منذ ثلاثين سنة ما طهرت ؟ ! فمتى تطهرين ؟ إن وقوفك بين يدي اللّه لا بد منه ، فاجتهدي أن تكوني طاهرة .
وقال : كنت أظن في بري لأمي أني لا أقوم فيه لهوى نفسي ، بل لتعظيم الشارع حيث أمر ببرها ، فكنت أجد في نفسي لذة عظيمة أتخيل أنها من تعظيم الحق عندي ، لا من موافقة نفسي ، فقالت لي في ليلة باردة : اسقني ، فثقل علي وقمت بمجاهدة ، وجئتها بكوز فوجدتها نامت ، فوقفت به حتى انتبهت فناولتها - وقد بقي في أذن الكوز قطعة من جلد أصبعي انقرضت لشدة البرد - رجعت إلى نفسي فقلت لها : حبط عملك لكونك كنت تدعين النشاط في عبادتك ورأيتك تثاقلت عن ذلك ، فعلمت أن كل ما نشطت فيه من عمل البر وفعلته لا عن كسل وتثاقل ، بل لذة ، فإنما هو لهواك لا للّه .
وقال : أوقفني الحق بين يديه مواقف في كلها يعرض على المملكة فيقول : أتريد التحف ؟ قلت : لا . . قال : الظرف ؟ قلت : لا ، قال : الغرف ؟ قلت لا ، قال : ما تريد ؟ قلت :
أريد ألّا أريد ، فإنك المراد وأنا المريد ، قال لي : أنت عبدي حقا .
وقال : ركبت مركب الصدق حتى بلغت الهوى ، ثم الشوق حتى بلغت السماء ، ثم المحبة حتى بلغت سدرة المنتهى ، فنوديت : يا أبا يزيد ، ما ذا تريد ؟ قلت : أريد ألّا أريد .
وقال : قال لي الحق : تقرّب إلي بما ليس الذلة والافتقار .
وقال : دخلت على أستاذي أبي على السندي وبيده جراب فصبها فإذا هي جواهر ، قلت : من أين هذا ؟ قال : وافيت واديا فإذا هو يضيء كالسراج فملأته منه . . قلت : كيف كان وقتك الذي وردت فيه الوادي ؟ قال : الفترة عن الحال الذي كنت فيها .
وقال : مددت رجلي ليلة في الظلام في محرابي ، فهتف بي هاتف : من يجالس الملوك لا يجالسهم إلا بأدب .
وقال : عرفت اللّه باللّه ، وعرفت ما دون اللّه بنور اللّه .
وقال : إنما خلع اللّه على عباده ليرجعوا بها إليه ، فعكسوا واشتغلوا بها عنه .
وقال : رأيت رب العزة فقلت : يا رب كيف أجدك ، قال : اترك نفسك وتعال .
وقال : صفة العارف صفة أهل النار . . لا يموت لا يحيى .
وقال : أولياء اللّه عرائس في الدنيا والآخرة . . لا يراهم إلا من كان منهم .
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 60
مساهمون: محمد بن عبد الملك الديلمي
ص٦٠