والجنة بكل ما فيها في جنب سروره بربه ، أصغر من خردلة ، لما علم أنه أكبر من كل كبير ، وأعظم من كل عظيم .
فمن وجده فأي شيء لا يجد ؟ وبأي شيء يشتغل بعده ؟
وهل رؤية غيره إلا من خساسة النفس ، ودناءة الهمّة ، وقلة المعرفة به ؟
وهل يكون لباس أجمل من لباس الإسلام ؟ أو تاج أجل من تاج المعرفة ، أو بساط أشرف من بساط الطاعة ؟
قال اللّه تعالى :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
[ يونس : 58 ] .
قال إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى في بعض مناجاته :
إلهي ! إنك تعلم أن الجنة وما فيها ، لا تزن عندي جناح بعوضة ، بعد ما وهبت لي معرفتك ، وآنستني بك ، وفرّغتني للتفكر في عظمتك ، ووعدتني النظر إلى وجهك .
نعم . إن أدنى منازل العارف ، أن اللّه تعالى لو أدخله النار ، وأحاط به العذاب ، لم يزدد قلبه إلّا حبّا ، وأنسا به ، وشوقا إليه .
قال ابن سيرين رحمه اللّه تعالى : لو خيّرت بين الجنة وركعتين ، تخيرت الركعتين ، لأن في الركعتين رضاء اللّه تعالى ، والقرب منه ، وفي الجنة هوى النفس ، ومحبة الناس .
قيل : لما ألقي الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام في النار و
قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ
[ الأنبياء : 68 ] .
قال : حسبي ربي ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير .
قال تعالى :
يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
[ الأنبياء : 69 ] .
وروي أن اللّه تعالى أوحى إليه : يا إبراهيم ! أنت خليلي ، وأنا خليلك ، فلا تشغل قلبك بدوني ، فتنقطع الخلّة بينك وبيني ، لأن الصادق في دعوى خلتي لو أحرق بالنار ، لم يتحول قلبه عني إلى غيري إجلالا لحرمتي .
وذكر اللّه تعالى ذلك في كتابه بقوله :
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
( 131 ) [ البقرة : 131 ] .
فعرف صدقه في التسليم ، حتى ألقي في النار .