وسأل رجل من سفيان - رحمه اللّه - كسرة ، فأعطاه دينارا ! فقيل له في ذلك ، فقال : إن كان لا يعرف هو قدر نفسه ، فلا أدع كرم نفسي ، وإن كان هذا ترك الهمة ، فأنا لا أدع الجود .
همم العارفين :
همم العارفين متصلة بمحبة الرحمن ، وقلوبهم ناظرة إلى مواضع العز من العزيز ، لا راحة لهم في دار الدنيا ، دون الخروج منها .
وكان كثيرا ما يرى حبيب العجمي رضي اللّه عنه ، يوم التروية بالبصرة ، ويوم عرفة بعرفات ، فقيل له في ذلك ، فقال : هو أقل ما أطار إليه الهمة أهل الهمة .
ودخل علي - كرّم اللّه وجهه - مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
فرأى أعرابيا في المسجد يقول : إلهي ! أريد منك شويهة .
ورأى أبا بكر الصديق في زاوية أخرى يقول : إلهي ! أريدك .
فشتان ما بين الهمتين ، فكل يطير بهمته ، فإذا بلغ طيرانه إلى غاية همته ، وقف فلم يجاوزها .
قال اللّه تعالى :
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
[ الإسراء : 84 ] ، أي : على نيته وهمته .
وقيل لأبي يزيد رحمه اللّه تعالى : سمعنا أنك تمر على الماء ، وتطير في الهواء ! فقال : المؤمن أعز على اللّه من السماوات السبع ، فأي عجب أن يبلغ مقام طير أو حوت ؟
قرىء بين يدي ابن المبارك قوله تعالى :
أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
[ المؤمنون :
61 ] .
فقال : ليس أنه يسبق بدن بدنا ، ولا عمل يسبق عملا ، ولكن همة تسبق همة ، في جميع الخيرات والإرادات .
قال بعض العارفين : مساكين أهل الغفلة ! يشتغلون بكثرة الأعمال ، ويعظمونها ويفتخرون بها ، ولو أن أهل المعرفة عملوا أعمال أهل السماوات والأرض ، من الأزل إلى الأبد ، كان ذلك أصغر وأحقر في أعينهم ، من خردلة في السماء والأرض .