الاهتداء بهديه بموالاة الأمير رضي اللّه عنه ، وجمع بين النكتتين بلزوم التمسك بالعهد .
ومتى اقتدى العبد اهتدى ، ومتى اهتدى تمسك بعهد اللّه ، وهناك وقد عرف ، وهل المعرفة باللّه تعالى إلا هذا ؟ فإن من اهتدى بهدي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، واقتدى به ، وتمسك بعهده ، أقبل على اللّه ، وأعرض عن غيره .
جاء في الخبر ، أن اللّه تعالى قال : « يا دنيا ! اخدمي من خدمني ، واستخدمي من خدمك » .
وليس من معالي الهمة : الاشتغال بما فيه حظ النفس .
وفي نعت النبي صلى اللّه عليه وسلم بعلو همته الشريفة :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
( 17 ) [ النّجم :
17 ] .
ولا يصل العبد إلى اللّه تعالى ، حتى يقطع مفاوز الدنيا وما فيها ، من زهراتها ولذاتها ، وراحاتها وشهواتها ، ويجاوز أودية الخلق ، وما منهم ، من جميل معاشرتهم وثنائهم ومحمدتهم .
وإن اللّه تعالى خلق جميع ذلك ، ابتلاء لكل من أراد أن يصير مجردا ، حتى إن التفت إلى شيء منها صار مفتضحا في دعواه ، وغرق في أودية الحسبان والخسران ، فكم مستدرج بالنعم ، محجوب عن الخالق ، غافل عن الصدق ، جاهل بعرفان النفس ، يصبح ويمسي على الحسبان ، فيبدو له من ذي العرش ما لم يكن يحتسب .
قال اللّه تعالى :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
[ الزّمر : 47 ] .
وإن من معالي الهمة ، ما قيل لأبي عبد اللّه : لو أعطاك اللّه تعالى الدنيا بجميع ما فيها ، ما ذا تفعل بها ؟
فقال : لو أمكنني أن أجعلها لقمة ، وأضعها في فم كافر لفعلت !
قيل : ولم ؟ قال : لأن اللّه تعالى يبغض الكافر والدنيا جميعا ، فأفعل ذلك ، ليقع البغيض إلى البغيض .
ثم حكى من صدق ما ادّعاه ، أن سلطان هراة - اسم مدينة - بعث إليه سبعة أوقار من الحنطة ، وكان الشيخ يومئذ بهراة مع أصحابه ، فأطعم الخادم منها أولياءه .
فقال له أبو عبد اللّه : أطعم الباقي فقراء العامة ، فقال : لا يمكن ، الأبواب مغلقة .