فرددتها إلى بستان ذكر المنّة ، ووضعت بين يديها رياحين رؤية اللطف والكرامات ، وتروّحت بمراوح التحنن والبر والإحسان ، وطال مني العناء ، فلما فتشتها وجدتها مشركة ! .
فقلت لها : يا مأول كل شر وبلاء ! لا تصلحين بالجفاء ولا بالرفق ؟ ثم رددتها إلى قصار الأحدية ، ليضربها على حجر الفردانية ، ويغسلها بماء صفوة الصمدانية ، فلم يزل يضربها رجاء أن تنظف من الإشراك ، وطال مني العناء ، فلما نظرت إليها فإذا هي مشركة ! .
فقلت : إنا للّه ، لعل صلاحها من وجه آخر ، ثم أنزلتها بمنزلة امرأة مستحاضة ، فلم أزل أنظر إليها كالمتحير المضطر ، وأنظر إلى بلائها ، حتى أيست منها ، وعلمت أن لا يتأتى مرادي منها ، فطلقتها ثلاث تطليقات ، وتركتها ، وصرت وحدي إلى ربي ، وناديته : يا عزيزي ! أدعوك دعاء من لم يبق له غيرك ، بالعتق من عبودية ما سواك .
فلما علم اللّه تعالى صدق الدعاء مني ، واليأس من نفسي ، كان أول إجابة الدعاء ، أن أنساني نفسي بالكلية .
قال أبو سليمان رحمه اللّه تعالى : لو أن الخلق اجتمعوا على أن يضعوني ، كإيضاعي عند نفسي ، لم يقدروا على ذلك .
طوبى لعبد أطلعه اللّه على شر النفس ، وعرف أصل خلقتها ، وأنواع عوارضها ، ومقتها ومألفها وقهرها ، وحقّرها ، واتهمها ، ووضعها .
* * *
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى — صفحة 71
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٧١