والرحمة حال العارف ، ومعراج قلبه إلى ربه ، وإن عباد اللّه العارفين ، مظاهر لرحمة رب العالمين في المخلوقين ، وهو سبحانه أرحم الراحمين .
أي بني ! إذا تحققت بالرحمة للمخلوقين رحمت ، وإذا جالست العارفين نجحت ، وإذا سألت الحكماء الربانيين تعلمت .
أي بني ! اعلم أن لكل شيء مفتاحا ، ومفتاح العلم السؤال ، فإن قدر المريد على أن يجالس أهل المعرفة ، فيقتبس من علمهم ، وتحقيق رمزهم ، ولطائف إشاراتهم ، فبخ ، بخ ، فإن شرف العلماء الربانيّين ، أكبر من أن يدركه أحد غير اللّه ، لأنهم أحبّاء اللّه ، وأمناء سره .
فليغتنم حرمتهم ، وليحرك خواطرهم بحسن السؤال ، فإن أمواج خواطر العارفين لا تفنى عجائبها ؛ وكفى للمرء جهلا إمساكه عن التعلم ، واستكفاؤه بما عنده ! وقد قال اللّه تعالى :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
[ النّحل : 43 ] .
وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « جالسوا الكبراء ، وسائلوا العلماء ، وخالطوا الحكماء » .
أدب طلب العلم :
قال ذو النون رحمه اللّه تعالى : وصف لي رجل بالمغرب ، فارتحلت إليه ، فوقفت عنده أربعين صباحا ، فلم أجد وقتا أقتبس به من علمه شيئا ، لكمال شغله بربه ؛ ولم أترك الحرمة ، فيوما من الأيام نظر إليّ فقال :
من أين المرتحل ؟ فأخبرته ببعض حالي ، قال : بأي شيء جئت ؟ قلت : لأقتبس من علمك .
قال : اتّق اللّه ، واستعن به ، وتوكل عليه ، فإنه وليّ حميد ؛ وسكت .
فقلت : زدني ، رحمك اللّه ! فإني رجل غريب ، جئتك من بلد بعيد ، لأسألك عن أشياء اختلجت في ضميري .
فقال : أمتعلم ، أم عالم ، أم مناظر ؟
فقلت : بل متعلم محتاج .
قال : قف في درجة المتعلمين ، واحفظ الأدب ، ولا تتعد ! فإنك إن تعدّيت فسد عليك النفع .
العقلاء من العلماء ، والعارفون من الأصفياء ، الذين سلكوا سبيل الصدق ، وقطعوا أودية الحزن ، ذهبوا بخير الدارين .