فكلامهم هو الكشف عما يشاهده القلب ، وإظهار علوم السر ، وبيان معاملة الضمير ، من تمييز الانفصال عن الاتصال ، وبيان الأسباب الشاغلة عن الحق ، من الأسباب الداعية إلى الحق .
أما الداعي إلى الخلق : فالدنيا ، والنفس ، والخلق .
وأما الداعي إلى الحقّ : فالعقل ، واليقين ، والمعرفة ، كما ورد : « من عرف نفسه عرف ربّه » « 1 » . يعني من عرف ما لنفسه ، عرف ما لربه .
وكلامهم يدور على خمسة أوجه : به ، وله ، ومنه ، وإليه ، وعليه .
وليس في كلامهم : أنا ، وإني ، ونحن ، ولي ، وبي .
لأن ألفاظهم فردانية ، وحركاتهم صمدانية ، وأخلاقهم ربانية ، وإرادتهم وحدانية ؛ لا يعرف إشارتهم إلا من له قلب حريق ، فيه خزائن الأسرار ، وجواهر القدس ، وسرادقات الأنوار ، وبحار الوداد ، ومفاتيح الغيب ، وأودية الشوق ، ورياض الأنس ، فكلما أبرز العارف لسان الحكمة ، من ينبوع المعرفة بإشارات : استأنس بها قلوب المريدين والمشتاقين .
قال يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى : القلوب كالقدور ، ومغارفها الألسن ، فكل لسان يغرف لك ما في قلبه .
وقيل لأبي بكر الواسطي - رحمه اللّه تعالى - ما تقول في كلام أهل المعرفة ؟ .
فقال : إنّ مثل المعرفة ، كمثل سراج في قنديل ، والقنديل معلّق في بيت ، فما دام السراج في البيت ، يكون البيت مضيئا ، وربما يفتح الباب فيقع ضوء السراج خارج البيت ويضيء .
كلام أهل المعرفة يقع ضياؤه على قلوب أهل النور ، فتصير أعينهم دامعة ، وألسنتهم ذاكرة ، يقول اللّه تعالى :
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
( 83 ) [ المائدة : 83 ] .
مثل نفس العارف كمثل البيت ، ومثل قلبه كمثل القنديل ، دهنه من اليقين ،
هامش
( 1 ) انظره في المصنوع للقاري ( ص 189 ) ، وكشف الخفاء ( 2 / 343 ، 344 ) .