وماؤه من الصدق ، وفتيله من الإخلاص ، والزجاجة من الصفاء والرضاء ، وعلائقه من العقل .
فالخوف : نار في نور ، والرجاء : نور في نار ، والمعرفة : نور في نور .
فالقنديل معلّق بباب الكوّة ، إذا فتح العارف فاه بالحكمة التي في قلبه ، هاج في كوّة فمه نور من الأنوار التي في قلبه ، فيقع ضياؤه على قلوب أهل النور ، فيتعلق النور بالنور .
وإن بعض القول أشد ضوءا من النهار ، وبعضها أشد ظلمة من الليل .
وكلام أهل المعرفة : كنز من كنوز الرب سبحانه ، معادنه قلوب أهل المعرفة ، أمرهم اللّه تعالى بالإنفاق منه على أهله في قوله تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
( 125 ) [ النّحل : 125 ] .
قيل لبعض العارفين : أي شيء أضوأ من الشمس ؟ قال : المعرفة .
قيل : أي شيء أنفع من الماء ؟ قال : كلام أهل المعرفة .
قيل : وأي شيء أطيب من المسك ؟ قال : وقت العارف .
قيل : وما حرفة العارف ؟ قال : النظر إلى صنع الربوبية ، وأعلام لطائف القدرة .
مراد الصالحين :
قيل لأبي سعيد البلخي رحمه اللّه تعالى : لم كان كلام السلف ، أنفع من كلام الخلف ؟
قال : لأن مرادهم كان : عزّ الإسلام ، ونجاة النفوس ، والشفقة على الإخوان ، ورضا الرحمن .
ومرادنا : عز النفس ، وثناء الناس وطلب التنعم في الدنيا ! .
فالعبد إذا أطاع ربه ، رزقه نهلة - أي شربة - من عين المعرفة ، وأنطق بها لسانه ؛ وإذا ترك طاعته لم يسلبها ، ولكن أبقاها في قلبه ، ولم ينطق بها لسانه ، ليكون ذلك حسرة عليه ، وابتلاء بأنواع المحن .
وما من مؤمنين يلتقيان ، فيذكران اللّه ، إلّا ويزيد اللّه تعالى في قلوبهما نور المعرفة ، قبل أن يتفرقا .