البساط بالأدب مطرقا ، لا تنظر يمينا إلى الآخرة وشمالا إلى الدّنيا ولا إلى الخلق ولا إلى الحظوظ ، فإذا دخل في هذا المقام ، وتحقّق الوصول جاءت الخلعة من قبل الحقّ عزّ وجلّ ، وغشيته أنواع المعارف والعلوم وأنواع الفضل ، فيقال له : تلبّس بالنّعم والفضل ولا تسىء الأدب بالرّدّ وترك التّلبّس ، لأنّ ردّ نعم الملك افتئات على الملك واستخفاف « 1 » بحضرته ، وحينئذ يتلبّس بالفضل والقسمة باللّه من غير أن يكون هو فيه ، ومن قبل كان يتلبّس بهواه ونفسه ، فله أربع حالات في تناول الحظوظ والأقسام :
الأولى بالطّبع ، وهو الحرام .
والثّانية بالشّرع ، وهو المباح الحلال .
والثّالثة بالأمر ، وهي حالة الولاية وترك الهوى .
والرّابعة بالفضل ، وهي حالة زوال الإرادة وحصول البدليّة وكونه مرادا قائما مع القدر الّذي هو فعل الحقّ وهي حالة العلم والإنصاف بالصّلاح ، فلا يسمّى صالحا على الحقيقة إلّا وصل إلى هذا المقام ، وهو قوله تعالى :
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ
[ الأعراف : 196 ] . فهو العبد الّذي كفّت يده عن جلب مصالحه ومنافعه وعن ردّ مضارّه ومفاسده ، كالرّضيع مع الظّئر ، والميت الغسيل مع الغاسل ، فتتولّى يد القدر تربيته من غير أن يكون له اختيار وتدبير ، فان عن جميع ذلك لا حالا ولا مقاما ولا إرادة ، بل القيام مع القدرة ، تارة يبسط « 2 » ، وتارة يقبض ، وتارة يغني ، وتارة يفقر ، ولا يختار ولا يتمنّى زوال ذلك وتغييره « 3 » ، بل الرّضا الدّائم والموافقة الأبديّة ، فهو آخر ما تنتهي إليه أحوال الأولياء قدّست أسرارهم .
* * *
هامش
( 1 ) في المطبوع : ( افتئاتا على الملك واستخفافا ) .
( 2 ) في نسخة : ( تارة يبسط ، وتارة يغني ) .
( 3 ) في نسخة : ( وتغيره ) .