المقالة الخامسة والأربعون في النّعمة والابتلاء
إنّ النّاس رجلان :
1 - منعم عليه ،
2 - ومبتلى بما قضى ربّه عزّ وجلّ .
فالمنعم عليه لا يخلو من المعصية والتّكدّر فيما أنعم عليه ، فهو في أنعم ما يكون من ذلك إذ جاء القدر بما يكدّره عليه من أنواع البلايا من الأمراض والأوجاع والمصائب في النّفس والمال والأهل والأولاد فيتّعظ بذلك ، فكأنّه لم ينعم عليه قطّ وينسى ذلك النّعيم وحلاوته .
وإن كان الغنيّ قائما بالمال والجاه والعبيد والإماء والأمن من الأعداء ، فهو في حال النّعماء كأن لا بلاء في الوجود ، كلّ ذلك لجهله بمولاه عزّ وجلّ وبالدّنيا .
فلو علم أنّ مولاه عزّ وجلّ :
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ *
[ هود : 107 والبروج : 16 ] ، يبدّل ، ويحلّي ويمرّ ، ويغني ويفقر ، ويرفع ويخفض ، ويعزّ ويذلّ ، ويحيي ويميت ، ويقدّم ويؤخّر . لما اطمأنّ إلى ما به من النّعيم ، ولما اغترّ به ، ولما أيس من الفرج في حالة البلاء .
وبجهله أيضا بالدّنيا اطمأنّ إليها وطلب بها صفاء لا يشوبه كدر ، ونسي أنّها دار بلاء وتنغيص ، وتكاليف وتكدير ، وأنّ أصلها بلاء وطارفها « 1 » نعماء ، فهي كشجرة الصّبر أوّل ثمرتها مرّ وآخرها شهد حلو ، لا يصل المرء إلى حلاوتها حتّى يتجرّع مرارتها ، فلن يبلغ إلى الشّهد إلّا بالصّبر على المرّ ، فمن صبر على بلائها حلّي له نعيمها ، إنّما يعطى الأجير أجره بعد عرق جبينه وتعب جسده وكرب روحه وضيق صدره وذهاب قوّته وإذلال نفسه وكسر هواه
هامش
( 1 ) أي : مستحدث .