المقالة الرّابعة والأربعون في سبب عدم استجابة دعاء العارف باللّه تعالى
إنّما لم يستجب للعارف كلّما يسأل ربّه عزّ وجلّ ويوفي له بكلّ وعد لئلّا يغلب عليه الرّجاء فيهلك ، لأنّ « 1 » ما من حالة ومقام إلّا ولذاك خوف ورجاء هما كجناحي طائر لا يتمّ الإيمان إلّا بهما ، وكذلك الحال والمقام ، غير أنّ خوف كلّ حالة ورجاءها بما يليق بها ، فالعارف مقرّب وحالته ومقامه أن لا يريد شيئا سوى مولاه عزّ وجلّ ولا يركن ولا يطمئنّ إلى غيره عزّ وجلّ ، ولا يستأنس بغيره ، فطلبه لإجابة سؤاله والوفاء بعهده غير ما هو بصدده ولائق بحاله ، ففي ذلك أمران اثنان :
أحدهما : لئلّا يغلب عليه الرّجاء والعزّة بمكر ربّه عزّ وجلّ فيغفل عن القيام بالأدب فيهلك .
والآخر : شركه بربّه عزّ وجلّ بشيء سواه ، إذ لا معصوم في العالم في الظّاهر بعد الأنبياء عليهم وعلى نبيّنا أفضل الصّلاة والسّلام ، فلا يجيبه ولا يوفّي له كيلا يسأل عادة ويريده طبعا لا امتثالا للأمر ، لما في ذلك من الشّرك ، والشّرك كبيرة في الأحوال كلّها والأقدام جميعها والمقامات بأسرها .
وأمّا إذا كان السّؤال بأمر فذلك ممّا يزيده قربا كالصّلاة والصّيام وغيرهما من الفرائض والنّوافل ، لأنّه يكون في ذلك ممتثلا للأمر .
* * *
هامش
( 1 ) في نسخة : ( لأنه ) .