المقالة الرّابعة والعشرون في الحثّ على ملازمة باب اللّه تعالى
احذر معصية اللّه عزّ وجلّ جدّا ، والزم بابه حقّا ، وابذل طوقك وجهدك في طاعته معتذرا متضرّعا مفتقرا خاضعا ، متخشّعا مطرقا ، غير ناظر إلى خلقه ، ولا تابع لهواك ، ولا طالب للأعواض دنيا وأخرى ، ولا ارتقاء إلى المنازل العالية « 1 » والمقامات الشّريفة .
واقطع بأنّك عبده ، والعبد وما ملك لمولاه ، لا يستحقّ عليه شيئا من الأشياء .
وأحسن « 2 » الأدب ولا تتّهم مولاك ، ف
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ
[ الرعد : 8 ] ، لا مقدّم لما أخّر ، ولا مؤخّر لما قدّم ، يأتيك ما قدّر لك عند وقته وأجله إن شئت أو أبيت .
لا تشره على ما سيكون لك ، ولا تطلب وتتلهّف « 3 » على ما هو لغيرك ، فما ليس هو عندك لا يخلو : إمّا أن يكون لك ، أو لغيرك .
فإن كان لك فهو إليك صائر وأنت إليه مقاد ومسيّر ، فاللّقاء عن قريب حاصل .
وما ليس لك فأنت عنه مصروف ، وهو عنك مولّ ، فأنّى لكما التّلاق ، فاشتغل بإحسان الأدب فيما أنت بصدده من طاعة مولاك عزّ وجلّ في وقتك الحاضر ، ولا ترفع رأسك ولا تمل عنقك إلى ما سواه .
قال اللّه تعالى :
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى
[ طه : 131 ] .
فقد نهاك اللّه عزّ وجلّ عن الالتفات إلى غير ما أقامك فيه ورزقك من طاعته وأعطاك من قسمه ورزقه وفضله . ونبّهك : أنّ ما سوى ذلك فتنة افتتنهم به .
هامش
( 1 ) في نسخة : ( العليا ) .
( 2 ) في نسخة : ( أحسن ) .
( 3 ) في المطبوع : ( وتلهف ) .