تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
أنواع المعاصي والأباطيل والترهات فزالت تلك الولاية فسكنت الجوارح وفرغت دار الملك التي هي القلب وتنظفت الساحة التي هي الصدر . فأما لقلب فصار مسكينا للتوحيد والمعرفة والعلم . وأما الساحة فمهبط الموارد والعجائب من الغيب ؛ كل ذلك نتيجة البلايا وثمراتها ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنا معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أنا أعرفكم باللّه وأشدكم منه خوفا » فكل من قرب من الملك اشتد خطره وحذره ، لأنه في مرأى من الملك لا يخفى عليه تصاريفه وحركاته . فإن قلت : فالخليقة عند اللّه عزّ وجلّ بأجمعهم كشخص واحد لا يخفى عليه منهم شيء ، فأي فائدة لهذا الكلام ؟ فنقول لك : لما علت منزلته وشرفت رتبته عظم خطره ، لأنه وجب عليه شكر ما أولاه من جسيم نعمه وفضله فأدنى الالتفات عن خدمته تقضبر في شكره وذلك نقصان في طاعته . قال اللّه عزّ وجلّ :
يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ
[ الأحزاب : الآية 30 ] ، قال ذلك لهنّ لتمام نعمه عزّ وجلّ عليهن باتصالهن بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فكيف من كان مواصلا باللّه عزّ وجلّ وقربه ، تعالى اللّه علوّا كبيرا عن التشبيه بخلقه
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشّورى : الآية 11 ] واللّه الهادي .

المقالة الثامنة والعشرون في تفصيل أحوال المريد

قال رضي اللّه تعالى عنه وأرضاه : « أتريد الراحة والسرور والدعة والحبور ، والأمن والسكون والنعيم والدلال وأنت بعد في كير السبك والتذويب وتمويت النفس ومجانبة الهوى وإزالة المرادات والأعواض دنيا وأخرى وقد بقيت فيك بقية من ذلك ظاهرة لائحة ؟ على رسلك يا مستعجل مهلا مهلا ، يا مترقب الباب مسدود إلى ذلك ، وقد بقيت عليك منه وفيك ذرة ومنه والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم » أنت مصدود عن ذلك ما بقي عليك من الدنيا مقدار مصّ نواة ، والدنيا هواك ومرادك ، ورؤيتك بشيء من الأشياء أو طلبك بشيء من الأشياء وتشوق نفسك إلى شيء من الأعواض دنيا وأخرى ؛ فما دام فيك شيء من ذلك فأنت في باب الإفناء ، فاسكن حتى يحصل الفناء على التمام والكمال ، فتخرج من الكبر وتكمل صياغتك وتجلى وتكسى وتطيب