وبعد حياة القلب يحصل بلسان الجنان ، وتسميه المتصوفة : طفل المعاني ؛ لأنّه من المعنويات القدسيّة وتسميته طفلا لنكات :
أحدها : أنّ تولّده من القلب كتولّد الطّفل من الأمّ فيربيّه القلب كتربية الأمّ الولد فيكبر قليلا قليلا إلى البلوغ .
والثّانية : أنّ تعليم العلم للأطفال غالب ؛ فتعليم علم المعرفة لهذا الطّفل أيضا غالب .
والثالثة : أنّ الطّفل مطهّر من أدناس الذّنوب ، فهذا أيضا مطهّر من دنس الشّرك والغفلة والجسمانيّة .
والرّابعة : أنّ الأكثر في الرّوح يرى في هذه الصّورة الصّافية للولد ؛ ولذلك يرى في المنامات على صورة المرد كالملائكة .
والخامسة : أنّ اللّه تعالى وصف أبناء جنّته بالطّفليّة بقوله تعالى :
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ
( 17 ) [ الواقعة : الآية 17 ] ، وبقوله تعالى :
. . . غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ
[ الطّور : الآية 24 ] .
والسّادسة : أنّ هذا الاسم كان له باعتبار لطافته ونظافته .
والسّابعة : أنّ إطلاقه على سبيل المجاز باعتبار تعلّقه بالبدن ، وتمثيله بصورة البشر بناء على أنّ إطلاقه عليه لأجل ملاحته لا لأجل استصغاره ، وبالنّظر إلى بداية حاله ، وهو الإنسان الحقيقيّ ؛ لأنّ له أنسيّة مع اللّه تعالى .
فالجسم والجسمانيّ ليس محرما له لقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لي مع اللّه وقت لا يسع فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل » .
والمراد من النّبيّ المرسل بشريّة النّبيّ . ومن الملك المقرّب روحانيّته الّتي خلقت من نور الجبروت ، كما أنّ الملك من نور الجبروت فلا يدخل في نور اللّاهوت . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن للّه جنّة لا فيها حور ولا قصور ولا جنان ولا عسل ولا لبن » ، بل ينظر إلى وجه اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
( 23 ) [ القيامة : الآيتان 22 ، 23 ] وكما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر » « 1 » ولو دخل الملك والجسمانيّة في هذه العالم لاحترقا كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ :
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 203 ، 209 ) ، ( 4 / 1836 ) ، ومسلم ( 1 / 429 ) .