غيره ، بل إذا نام الجسد وجد القلب فرصة فيذهب إلى وطنه الأصلي إمّا بكلّيّته ، أو بجزئيته - كما قال اللّه تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
[ الزّمر : الآية 42 ] ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « نوم العالم خير من عبادة الجاهل » « 1 » - بعد حياة القلب بنور التّوحيد ، وملازمة أسماء التّوحيد بلسان السّر بغير حروف ولا صوت كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « الإنسان سرّي وأنا سرّه » « 1 » ، وقال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « إنّ علم الباطن هو سرّ من سرّي ، أجعله في قلب عبدي ، ولا يقف عليه أحد غيري » « 2 » .
والمراد من وجود الإنسان هو علم التّفكّر كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « تفكّر ساعة خير من عبادة سبعين سنة » . وهو علم الفرقان هو التّوحيد ، وبه يصل العارف إلى معروفه ومحبوبه ونتيجة علم العارف الطّيران بالرّوحانيّة إلى عالم القربة . فالعارف طيّار إلى القربة والعابد سيّار إلى الجنّة .
قال بعضهم في حقّه : [ الوافر ]
قلوب العارفين لها عيون * ترى ما لا يراه النّاظرون
وأجنحة تطير بغير ريش * إلى ملكوت ربّ العالمين
فهذا الطّيران في باطن العارف هو الإنسان الحقيقيّ ، وهو حبيب اللّه عزّ وجلّ ومحرمه وعروسه كما قال أبو يزيد البسطاميّ رحمه اللّه تعالى : « أولياء اللّه هم عرائسه ، لا يرى العرائس إلّا المحارم ، فهم مخدرون عنده في حجاب الأنس ، ولا يراهم أحد في الدّنيا ولا في الآخرة » غير اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري » « 3 » ولا يرى النّاس في الظّاهر من العروس إلّا ظاهر زينتها .
قال يحيى بن معاذ الرّازيّ رحمه اللّه تعالى : « الوليّ ريحان اللّه تعالى في أرضه ، يشمّه الصّدّيقون ، فتصل رائحته إلى قلوبهم ؛ فيشتاقون به إلى مولاهم ، وتزداد عبادتهم على تفاوت أخلاقهم » ، بحسب الفناء ؛ لأنّ زيادة القربة بزيادة فناء الفاني .
هامش
( 1 ) لم أقف عليه .
( 2 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 4104 ) ، عن الإمام علي بنحوه .
( 3 ) رواه ابن جرير في التفسير ( 15 / 120 ) بنحوه .