والعبادة الكاملة بهما ، لا بواحدهما ، كما قال اللّه تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) [ الذّاريات : الآية 56 ] - أي : ليعرفوني - فمن لم يعرفه كيف يعبده ؟ .
فالمعرفة إنّما تحصل بكشف حجاب النّفس عن مرآة القلب بتصفيته ؛ فيرى فيها جمال الكنز المخفيّ في سرّ لبّ القلب كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ :
« كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق لكي أعرف » فلمّا بيّن اللّه تعالى خلق الإنسان لمعرفته وجبت عليه معرفته .
فالمعرفة نوعان : معرفة صفات اللّه ، ومعرفة ذات اللّه .
فمعرفة الصّفات تكون حظّ الجسم في الدّارين ، ومعرفة الذّات تكون حظّ الرّوح القدسيّ في الآخرة كما قال اللّه تعالى :
. . . وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ . . .
[ البقرة : الآية 87 ] وهم مؤيدون بروح القدس .
وهاتان المعرفتان لا تحصلان إلّا بالعلمين ؛ علم الظّاهر وعلم الباطن كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « العلم علمان : علم باللسان ؛ وذلك حجّة اللّه تعالى على ابن آدم . وعلم بالجنان ؛ فذلك العلم النّافع » « 1 » .
والإنسان يحتاج أوّلا إلى علم الشّريعة ليحصّل الرّوح كسب البدن به وهو الدرجات . ثمّ يحتاج إلى علم الباطن ليحصّل الرّوح كسب معرفته في علم المعرفة ، وذلك لا يحصل إلّا بترك الرّسومات الّتي هي مخالفة للشّريعة والطّريقة ، وحصوله بقبول المشقّات النّفسانيّة والرّوحانيّة لرضاء اللّه تعالى بلا رياء ولا سمعة كما قال اللّه تعالى :
. . . فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
[ الكهف :
الآية 110 ] .
وعالم المعرفة : عالم اللّاهوت ، وهو الوطن الأصليّ المذكور الّذي خلق فيه الرّوح القدسيّ في أحسن التّقويم .
والمراد من الرّوح القدسيّ الإنسان الحقيقيّ الّذي أودع في لبّ القلب ، ويظهر وجوده بالتّوبة والتّلقين . وملازمة كلمة لا إله إلا اللّه بلسانه أوّلا ، وبعده بحياة القلب
هامش
( 1 ) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ( 7 / 82 ) ، وفي شعب الإيمان ( 2 / 252 ) ، وابن المبارك في الزهد ( ص 407 ) ، وأحمد بن حنبل في الورع ( ص 200 ) .