قال : ( الواجد الذي لم يبق عليه في وقته طالب ) .
أقول : المراد بالوقت في اصطلاح الصوفيّة ، ما يرد من الحقّ على العبد ويمضيه بحكمه ، ولهذا قيل : الوقت سيف قاطع . ويحتمل أن يراد به هاهنا ، معناه اللغوي والاصطلاحي .
أي الواجد الذي لم يبق عليه في حاله ، أو في زمانه ، ما يطلب منه شيئا ؛ لأنّ الطلب يشعر بفقدان المطلوب ، والواجد غير فاقد ، فلا يبقى عليه ما يطالبه بتحصيل المطلوب .
وقال : ( العلم خدعة ، والوجد مكر ، والحقيقة حجاب ) .
أقول : الخدعة والخداع إرادة الشيء على خلاف المراد منه تقريرا ، وليس انخداع المطلوب بذلك واغتراره شرطا ؛ لأنّ اللّه تعالى أخبر عن المنافقين بأنّهم كانوا
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا
[ البقرة : الآية 9 ] ، وكان الانخداع هنا منتفيا ، بل يثبت لهم عن اللّه ما له صورة الخداع ، من إرادة النقمة ، وإراءة النعمة ، حيث أراهم ما وسعه لهم من الدنيا ، ولذلك قال اللّه تعالى :
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
[ النّساء : الآية 142 ] ، وهذا لقدرته على إمضاء مراده منهم ، وعجزهم عن إمضاء مرادهم منه .
والمكر نوع من الخدعة ، أبلغ وأدقّ ، ولهذا خصّ الخدعة بالعلم ، والمكر بالوجد ؛ لكونه أدقّ إدراكا ، وصورة الخدع في العلم أنّ العالم باللّه يرى أنّه واجده وهو فاقده ، وصورة المكر في الوجدان ؛ لأنّ الواجد قد يفقد ، وهو في تلك الحالة يحسب أنّه واجد ، وإنّما يخفى عليه الأمر لتحقّق المكر .
قال [ الإمام جعفر ] الصّادق رضي اللّه عنه : « مكر اللّه أخفى من دبيب النمل ، على صخرة سوداء ، في ليلة ظلماء » .
وقال الجنيد : المكر أن يضاف إلى شيء ، والشيء غير موجود ، والممكور طالب الشيء يسكن لغيره .
وقال النوريّ : المكر أن يضاف إلى الخير ، والمراد به الشرّ . وقال الشبليّ : الخوف من الوصل ، أشدّ من الخوف من المكر .