الحقيقيّ ، فإنّ الوجد الحقيقيّ قائم بالموجود ، فلا قرب فيه ، وحال قرب الوجد قائم بالواجد ، فما دام العبد عالما بقربه من ربّه ، كان هذا العلم وجدا قائما به غير حقيقيّ ، وحالا ثانيا له . وإذا وجد الواجد عين الموجود في حال القرب ، وكان الوجد حقيقيّا قائما بالموجود .
وقال : ( أكثر غلط الواجدين من روح الهوى ، وطيبة النّفس ) .
أقول : الهوى ميل النفس إلى مركز الطبيعة ، وفي ذلك طيبتها وحظّها ، وكلّما مالت ظهرت من حركتها ظلمة تستر نور الوجد ، والواجد قد يغلط في وجده فيحسبه واجدا وهو فاقد ؛ لفقدان شرط الوجد ، وهو رقود النفس ، وسكونها ، وغيبتها عن وجد القلب .
فربّما تستيقظ ، وتسترقّ السمع ، وتحسّ الوارد ، وتستروح الهواء ، فيحسب العبد أنّه واجد وهو فاقد ؛ لانقطاع الوجد بوجود حركة النفس ، وأكثر غلط الواجدين من هذا القبيل ، وقد يقع الغلط من جهة أخرى ، وذلك أن يتصوّر العبد قيام الوجد بنفسه ، وهو حجاب الواجد ، فيحسبه واجدا ، وهو فاقد .
وقال : ( هلاك الواجدين من رؤية المستحسنات ) .
أقول : يعني من استحسن شيئا من أحواله ومواجيده ، ورآه بنظر الإعجاب أهلكه عجبه ، وصار وجده فقدا .
بيان السّماع
قال : ( حقيقة السماع استذكار المجهول ) .
أقول : يعني السماع الحقيقيّ ما يذكّر المستمع عهد الوصال قبل التعلّق بالصلصال ، فيتذكّر ما جهله ؛ أي نسبه من العهود القديمة ، فمن اتّخذ السماع طلبا لهذا الذكر كان سماعه حقيقة ، سئل الجنيد - رحمه اللّه - عن استلذاذ الروح السماع ، واهتزازها به ، فقال : لمّا خاطب الذرّ بقوله :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف :
الآية 172 ] ، بقيت لذّة ذلك الخطاب في مسامعها ، وكلّما سمعت صوتا طيّبا أذكرها لذّة ذلك الخطاب ، وهزّها .