وقال : ( كلّ ما دنا من النّفس فقبلها فهو دنيا ) .
أقول : هذا أيضا موافق لما تقدّم ، إلّا أنّه زاد فيه قيدا ، وهو قبول ما دنا من النفس إيّاها ؛ إذ ليس كلّ ما دنا من النفس دنيا ، فإنّ اللّه تعالى يدنو من النفس وليس بالدنيا ؛ إذ هو لا يقبلها بل يحبّها ، والدنيا تقبل من يدنو منها .
وقال : ( الدّنيا رهن الآخرة ، والآخرة رهن الحقيقة ) .
أقول : الرهن بمعنى المرهون ، وهو عين يوثق بها دين ، واللّه تعالى
اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
[ التّوبة : الآية 111 ] ، فالجنّة دين على اللّه في ذمّته للمؤمنين ، والأموال والأنفس التي اشتراها منهم عين الدنيا ، وهي المرهونة عندهم ، لا تنفكّ إلّا عند أداء الدّين ، وهو الجنّة ، فالدنيا رهن الآخرة ، وكذلك الآخرة رهن الحقيقة بالنسبة إلى العارفين ؛ فإنّهم لا يرضون إلّا بالحقيقة التي هي حقّهم الثابت في ذمّة اللّه سبحانه ، والجنّة رهن عندهم يتسلّون به ؛ كما قال : ( الجنّة تسلّي العارفين ) .
فإذا جاء ميقات اللّقاء ، وانكشف الأمر عن ساقه ، ينفك هذا الرهن ، فيشغلون باللّه عزّ وجلّ ، وتلهيهم مشاهدة الحقّ عن مطالعة نعيم الجنّة ، وقال أبو يزيد - قدّس اللّه روحه - : « للّه عباد يستغيثون من الجنّة ، كما يستغيث أهل النار من النار » .
وقال : ( الخلق أضلّتهم ظلمة الدّنيا ، وظلمة النّفوس ، فذهاب ظلمة الدّنيا بالعلم ، وذهاب ظلمة النّفوس بالوجد ) .
أقول : أضلّه عن السبيل جعله ضالّا عنه ، ومن المضلّات وجود الظلمة ، والحقيقة صراط أضلّ الناس عنه ظلمتان :
1 - ظلمة الدّنيا .
2 - وظلمة النفوس .
فظلمة الدنيا - وهي شهواتها وزينتها - تذهب بنور العلم ، فإنّها معدومة الأصل من حرفة الزينة . وأمّا ظلمة النفوس - وهي أهواؤها وحظوظها - فلا