الكلام والصوت ، فكذلك النفس لها نفسان :
أحدهما : باطن يمدّ حياتها بالاستزادة من بحر الحقيقة .
والآخر : ظاهر يصير مادّة لصور الأخلاق الظاهرة منه ، ولا يعرف من النفس غيرها .
وقوله : ( هي ما وصفت ) ، إشارة إلى الأخلاق المذكورة في قوله : « خلق اللّه النفس . . . » الخ ، وقوله : ( أرى ) إخبار عن حال مشاهدته أخلاق النفس ، وأوصافها .
وقال : ( الهوى زنّار النّفس ، والنّفس زنّار القلب ؛ فالنّفس انعقدت بالهوى ، والقلب انعقد بالنّفس ) .
أقول : الزّنّار ما يعقد به الوسط ؛ أي سبب انعقاد النفس وتقييدها عن مبلغ السعادة والكمال هو الهوى ، وسبب تقييد القلب عن مبلغه كماله هو النفس ، فالنفس انعقادها بالهوى ، والقلب انعقاده بالنفس .
وقال : ( انتهت معرفة النّفس إلى العجز عن تعريفها ) .
أقول : أي غاية معرفة النفس ، أن يرى العارف عجزه عن تعريفها كما هي .
وقال : ( القلب ميزان الحقّ ) .
أقول : الميزان آلة تعرف بها المساواة من اللّامساواة ، والقلب حقيقة يعرف بها الحقّ من الباطل ، ولهذا قال : هو ( ميزان الحقّ ) .
وكما أنّ الميزان له كفّتان ولسان بينهما ، متى استوت نسبته إليهما صحّت المساواة ، وإلّا فلا ، فكذلك القلب له طرفان ، هما روح ونفس ، ومسلك بينهما بمثابة اللّسان ، متى استوت نسبته إلى طرف الروحانية والنفسانية حكم عليه بأنّه الصّراط المستقيم ، والدين القويم ، فلا يغلب على سالكه رعاية الصورة فيتهوّد ، ولا رعاية المعنى فيتنصّر ، والمتهوّد مغضوب عليه ، والمتنصّر ضالّ عن الصراط المستقيم .
شرح كلمات بابا طاهر العريان — صفحة 48
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٤٨