وقال : ( وجدت نعيم الدّنيا والآخرة في نفس ، ووجدت مرارة الدّنيا والآخرة في نفس ) .
أقول : اعلم أنّ للمحبّ نفسين ؛ نفس في مشاهدة المحبوب ، وفيه يجد نعيم الدارين . ونفس في غيبته ، وفيه يجد مرارة الدارين .
بيان الحقيقة والرسم
قال : ( الحقيقة المشاهدة بعد علم اليقين ، وذلك قوله تعالى :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ
[ هود : الآية 17 ] ، فالبيّنة ظاهر العلم ، والشاهد من الحقّ حقيقة المشاهدة ) .
أقول : البيّنة الدليل المبيّن للمدلول ، والمراد به هنا علم اليقين ، ويتلوه ، أي يتبعه من التلوّ ، والضمير فيه للبيّنة ؛ لأنّه بمعنى الدليل ، والشاهد أيضا بمعناه ، والمراد به عين اليقين ، والضمير في ( منه ) عائد إلى الربّ .
حكم على الحقيقة بأنّها المشاهدة ؛ لأنّها تعرف بها ، والمشاهدة عين اليقين ، وهي بعد علم اليقين ، وهاتان المرتبتان من اليقين ، بما بينهما من الرتب ، مذكورتان في قوله سبحانه وتعالى :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
[ هود : الآية 17 ] ؛ أي « علم اليقين » ،
وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ
[ هود : الآية 17 ] ، أي « عين اليقين » ، وجواب الشرط محذوف ، والتقدير : أفمن كان على هذه الصفة كمن لا يكون كذلك .
وقال : ( الحقيقة تقدمة الحقّ ) .
أقول : يعني أنّ حال المشاهدة في البداية لا يستقرّ ، وفي النهاية يصير مقاما ثابتا ، ويطلق عليه اسم الحقّ ، أي حقّ اليقين .
والحاصل : أن عين اليقين تقدمة حقّ اليقين ، والتقدمة مصدر بمعنى التقديم ، ووقع هاهنا بمعنى المقدّمة .
وقال : ( الدخول في الحقيقة بالخروج من الحقيقة ، والخروج من الحقيقة بالدخول في الحقيقة ) .