فإنّ العنكبوت أجلّ منها * بما نسجت على رأس النبي
وروى الشيخان عن أنس قال : حدّثني أبو بكر قال : قلت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ونحن في الغار : لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لرآنا . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما ظنّك باثنين اللّه ثالثهما ؟ » .
وذكر بعض أهل السّير أنّ أبا بكر لما قال ذلك قال له صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو جاؤونا من ههنا لذهبنا من ههنا » . فنظر الصدّيق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر ، وإذا البحر قد اتصل به وسفينة مشدودة إلى جانبه .
وعن الحسن البصري بلاغا أنّ أبا بكر ليلة انطلق معه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الغار كان يمشي بين يديه ساعة ، ومن خلفه ساعة ، فسأله فقال : أذكر الطلب فأمشي خلفك ، وأذكر الرّصد فأمشي أمامك .
فقال : « لو كان شيء أحببت أن تقتل دوني ؟ » قال : إي ، والذي بعثك بالحق .
فلما انتهيا إلى الغار قال : مكانك يا رسول اللّه ، حتى استبرىء لك الغار . فاستبرأه فجعل يلتمس بيده ، فكلّما رأى جحرا قطع من ثوبه وألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع ، فبقي جحر فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فدخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ووضع رأسه في حجر أبي بكر ونام ، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ، ولم يتحرّك لئلا يوقظ المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسقطت دموعه على وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « ما لك يا أبا بكر ؟ » قال : لدغت ، فداك أبي وأمي . فمسح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بريقه مكان اللدغة فذهب ما يجده .
ولقد أحسن حسان بن ثابت رضي اللّه عنه حيث قال :
والثاني اثنين في الغار المنيف وقد * طاف العدوّ به إذ صعّد الجبلا
وكان حبّ رسول اللّه قد علموا * من الخلائق لم يعدل به بدلا
وكان خروجه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكّة يوم الخميس ، وخرج من الغار ليلة الاثنين لأنه أقام فيه ثلاث ليال ، وذلك من أول ربيع الأوّل ، ودخل المدينة يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت منه .