أقوم إلى الصلاة ، وأجعل الكعبة بين حاجبيّ ، والصراط تحت قدميّ ، والجنة عن يميني ، والنار عن شمالي ، وملك الموت ورائي ، وأظنّها آخر صلاتي ، ثم أقوم بين الرجاء والخوف ، وأكبّر تكبيرا بتحقيق ، وأقرأ قراءة بترتيل ، وأركع ركوعا بتواضع ، وأسجد سجودا بتخشّع ، وأقعد على الورك الأيسر ، وأفرش ظهر قدمها ، وأنصب القدم اليمنى على الإبهام ، وأتبعها الإخلاص ، ثم لا أدري أقبلت مني أم لا .
وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ركعتان مقتصدتان في تفكّر خير من قيام ليلة والقلب ساه .
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد ، فيقعدون فيها حلقا ، ذكرهم الدنيا وحبّ الدنيا . لا تجالسوهم فليس للّه بهم حاجة » .
وعن الحسن أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ألا أخبركم بأسوأ الناس سرقة ؟ » قالوا : من هو يا رسول اللّه ؟ قال : « الذي يسرق من صلاته » .
قالوا : وكيف يسرق من صلاته ؟ قال : « لا يتمّ ركوعها ولا سجودها » .
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة ، فإن كان قد أتمّها هوّن اللّه عليه الحساب ، وإن كان قد انتقص منها شيئا ، قال اللّه تعالى لملائكته : هل لعبدي من تطوّع ؟ فأتمّوا الفريضة منه » .
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أعطي عبد عطاء خيرا من أن يؤذن له في ركعتين يصليهما » .
وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إذا أراد القيام إلى الصلاة ترتعد فرائصه ، وتصطك أسنانه . فقيل له : ما ذلك ؟ قال : حان وقت أداء الأمانة ، وقضاء الفريضة ، ولا أدري كيف أؤديها .
حكي عن خلف بن أيوب : أنه كان قائما في الصلاة فلدغه زنبور ، فسال منه الدم ، وهو لا يشعر ، حتى خرج ابن سعيد فأعلمه بذلك ، فغسل ثوبه . فقيل له : يلدغك زنبور ، ويسيل منك الدم ، ولم تشعر به ! فقال : أيشعر بمثل هذا من يكون واقفا بين يدي الملك الجبار ، وملك الموت على قفاه ، والنار عن شماله ، والصراط تحت قدميه ؟
ووقعت الأكلة في يد عمر بن ذر ، وكان جليلا في الزهد والعبادة ، فقال له الأطباء : لا بد لك كم قطع هذه اليد . فقال اقطعوها . فقالوا : لا نقدر على قطعها إلا أن نشدك بالحبال .
فقال : لا ، ولكن إذا شرعت في الصلاة ، فاقطعوها حينئذ . فلما دخل في الصلاة قطعت يده ولم يشعر بذلك .
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب — صفحة 63
مساهمون: الغزالي
ص٦٣