الشهوة تصيّر الملوك عبيدا ، والصبر يصيّر العبيد ملوكا ، ألا ترى إلى قصة يوسف عليه السّلام وزليخا ؟ فقد صار يوسف سلطان مصر بصبره ، وصارت زليخا ذليلة حقيرة فقيرة عجوزا عمياء لأجل شهوتها ، فإن زليخا لم تصبر عن محبة يوسف .
حكى أبو الحسن الرازي أنه رأى والده في منامه بعد موته بسنتين وعليه ثياب من القطران فقال له : يا أبي مالي أرى عليك هيئة أهل النار ؟ فقال : يا ولدي جذبتني نفسي إلى النار ، فاحذر يا ولدي من خديعة نفسك :
إني ابتليت بأربع ما سلّطوا * إلا لشدة شقوتي وعنائي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى * كيف الخلاص وكلّهم أعدائي
وأرى الهوى تدعو إليه خواطري * في ظلمة الشهوات والآراء
قال حاتم الأصم رحمه اللّه : نفسي رباطي ، وعلمي سلاحي ، وذنبي خيبتي ، والشيطان عدوّي ، وأنا بنفسي غادر .
حكي عن بعض أهل المعرفة أنه قال : الجهاد على ثلاثة أصناف : جهاد مع الكفار ، وهو جهاد الظاهر كالذي في قوله تعالى :
يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
« 1 » .
وجهاد مع أصحاب الباطل بالعلم والحجة كقوله تعالى :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
« 2 » .
وجهاد مع النفس الأمارة بالسوء كالذي في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
« 3 » .
وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أفضل الجهاد جهاد النفس » . وإن الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين كانوا إذا رجعوا من جهاد الكفار يقولون : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر .
وإنما سمّوا الجهاد مع الهوى والنفس والشيطان أكبر لأنّ الجهاد معها أدوم ، وجهاد الكفار يكون في وقت دون وقت .
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 54 .
( 2 ) سورة النحل ، الآية : 125 .
( 3 ) سورة العنكبوت ، الآية : 69 .